ما بين ويكيليكس وإبستين وصدمة الشعوب
حين ظهرت وثائق ويكيليكس إلى العلن بدا العالم وكأنه ينظر فجأة إلى نفسه في مرآة مكسورة؛ أسرار دبلوماسية ومراسلات خفية وخطط لم يكن يُراد لها أن تُقرأ خارج الغرف المغلقة؛ ولم تكن الوثائق مجرد أوراق مسرّبة بل كانت صدمة أخلاقية وسياسية هزّت ثقة الشعوب في حكوماتها وطرحت سؤالًا بسيطًا لكنه ثقيل: (ماذا يُقال باسمنا ونحن لا نعلم؟).
وبعد سنوات جاءت قضية جيفري إبستين لتعيد المشهد نفسه ولكن بوجه آخر فلم تكن وثائق سياسية هذه المرة بل ملفات قضائية وشهادات عن شبكة فساد وعلاقات ونفوذ تحيط بشخص واحد متهم باستغلال قاصرات وحماية نفسه بظل أصحاب السلطة والمال معًا!! وكما حدث مع ويكيليكس لم تكن الصدمة في الجريمة وحدها بل في الأسماء التي لامستها القضية وفي الشعور العام بأن الحقيقة كانت معروفة للبعض ومخفاة عن العامة الواثقون في أشخاص بعينهم!!
ردّ الفعل على ويكيليكس كان عاصفًا؛ حكومات أدانت ومسؤولون غضبوا ومؤسسات حاولت حجب الموقع وتشويه مؤسسه وفي المقابل وقف كثيرون يرون في التسريبات فعل شجاعة وكشفًا لوجه العالم الخفي وبدا المجتمع منقسمًا بين من يرى في النشر خيانة ومن يعتبره واجبًا أخلاقيًا؛ أما الإعلام فقد وجد نفسه بين نارين: حق الجمهور في المعرفة وحدود الأمن والسياسة وما أدراك ما حدودهما!!
المشهد ذاته تكرّر مع إبستين فقد انفجرت الصحف بالتحقيقات وتسابقت القنوات إلى عرض التفاصيل وراح الناس يتساءلون كيف لرجل واحد أن ينجو طويلًا من العدالة؟ ولماذا لم تُسمع أصوات الضحايا من قبل؟ ومع انتحاره في السجن - كما نُشر !!- تحوّل الغضب إلى شك والشك إلى نظريات وكأن الحقيقة أبت أن تُغلق ملفها بسهولة.
ما يجمع بين ويكيليكس وإبستين ليس الموضوع بل اللحظة ؛ لحظة انكشاف تُسقط الأقنعة عن أنظمة وأفراد وتضع الرأي العام أمام صورة غير مريحة للعالم الذي يعيش فيه وفي الحالتين لم يكن النشر نهاية القصة بل بدايتها ؛ فالوثيقة لا تغيّر الواقع وحدها لكن الصدى الذي تتركه في النفوس قد يصنع تغييرًا أعمق.
لقد أظهرت ويكيليكس أن المعلومة قوة وأن احتكارها خطر وأظهرت قضية إبستين أن النفوذ قد يؤجل العدالة لكنه لا يمحوها وبين الحدثين يقف الإعلام شاهدًا ومتّهمًا في آن: شاهد لأنه ينقل الحقيقة ومتّهم لأنه تأخر أحيانًا في قولها.
في النهاية، يبقى السؤال واحدًا: هل نحن مستعدون لتحمّل الحقيقة حين تُنشر؟ أم أننا نفضّل عالمًا أقل صدقًا وأكثر راحة؟ ويبدو أن ويكيليكس وإبستين رغم اختلاف قصتيهما قد أجابا بطريقتهما الخاصة “الحقيقة قد تكون قاسية لكنها حين تظهر تغيّر طريقة نظرنا إلى السلطة والرموز معًا”.. إنها صدمة الشعوب..


