تثبيت أم خفض الفائدة؟.. خبراء يتوقعون قرار البنك المركزي خلال الاجتماع المقبل
يعقد البنك المركزي المصري، الخميس المقبل، أول اجتماعات لجنة السياسة النقدية خلال العام الجديدة 2026، وسط ترقب واسع من الأسواق والقطاع المصرفي والمستثمرين لمصير أسعار الفائدة، وذلك بعد أن تبنّى المركزي سياسة تيسير نقدي خلال عام 2025 خفّض خلالها أسعار الفائدة بإجمالي 7.25% على خمس اجتماعات متتالية، ليستقر سعر عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة عند 20% و21% على التوالي.
وتأتي أهمية الاجتماع المرتقب في ظل تراجع معدلات التضخم خلال الأشهر الأخيرة، إلى جانب استمرار التحديات الجيوسياسية العالمية والضغوط المحلية المرتبطة بتكلفة التمويل وخدمة الدين العام، وهو ما يضع صانعي السياسة النقدية أمام معادلة دقيقة بين دعم النمو الاقتصادي والحفاظ على استقرار الأسعار.
توقعات القرار المرتقب
وتوقع الدكتور عز حسانين، الخبير الاقتصادي، أن يتجه البنك المركزي إلى سيناريوهين رئيسيين خلال الاجتماع المقبل، الأول يتمثل في استمرار دورة التيسير النقدي التي بدأها المركزي في أبريل 2025، مع إمكانية خفض أسعار الفائدة بنسبة 1%.
وأوضح حسنين، في تصريحات خاصة لـ القاهرة 24، أن تراجع معدل التضخم السنوي إلى نحو 12.3% بنهاية 2025 يمنح البنك المركزي مساحة لخفض الفائدة، خاصة أن الفائدة الحقيقية في مصر ما زالت مرتفعة وتتجاوز 7.5%، وهو ما يسمح بالخفض دون مخاوف كبيرة من خروج السيولة من أدوات الدين الحكومية.
وأشار إلى أن خفض الفائدة بنسبة 1% قد يدعم الموازنة العامة للدولة بنحو 140 مليار جنيه نتيجة انخفاض تكلفة خدمة الدين، إلى جانب تقليل أعباء التمويل على الشركات المقترضة، وهو ما قد ينعكس على استمرار تراجع الأسعار والتضخم، وفي المقابل، قد يتضرر المودعون نتيجة انخفاض عوائد الادخار وتراجع قدرتهم الشرائية.
أما السيناريو الثاني فيتمثل في اتجاه المركزي إلى تثبيت أسعار الفائدة مؤقتًا، في إطار ما وصفه بـ الحذر والانتظار، للتأكد من استدامة تراجع التضخم إلى ما دون 12%، في ظل استمرار المخاطر الجيوسياسية بالمنطقة.
ولفت إلى أن القرار سيتأثر بعدة عوامل، أبرزها بيانات التضخم المنتظر صدورها في 10 فبراير، خاصة مع ارتفاع أسعار اللحوم والدواجن والأسماك خلال الأسبوع الأول من الشهر الجاري نتيجة زيادة الطلب قبل شهر رمضان المبارك، إلى جانب ارتفاع تكلفة خدمة الدين العام التي تجاوزت فوائدها تريليون جنيه، حيث يوفر كل خفض بنسبة 1% في الفائدة عشرات المليارات من الجنيهات للموازنة.
ترجيحات التثبيت مع ميل للتيسير
من جانبه، توقع الدكتور علي الإدريسي، الخبير الاقتصادي، أن يتجه البنك المركزي إلى تثبيت أسعار الفائدة أو خفض محدود للغاية في الاجتماع المقبل، مرجحًا سيناريو التثبيت مع لهجة تميل إلى التيسير خلال الاجتماعات اللاحقة.
وأوضح أن التضخم تراجع نسبيًا لكنه لم يستقر بشكل كامل بعد، كما أن الأسعار ما تزال حساسة لأي تحرك في سعر الصرف، فضلًا عن حرص البنك المركزي على الحفاظ على جاذبية الجنيه ومنع خروج مفاجئ للأموال الساخنة.
وأشار الإدريسي إلى أن القرار المرتقب، سواء بالتثبيت أو الخفض الطفيف، سيكون متوازنًا ويراعي استقرار الأسعار أكثر من السعي لتحفيز سريع للنمو، لافتًا إلى أن المركزي يفضّل التحرك بحذر لتجنب قرارات قوية قد تربك السوق.
وأضاف أن تثبيت الفائدة يعني استمرار ارتفاع تكلفة التمويل وضعف شهية الاقتراض والاستثمار نسبيًا، لكنه في المقابل يحمي القوة الشرائية ويحد من موجات تضخم جديدة، كما يستفيد المواطن من استمرار عوائد الادخار المرتفعة نسبيًا، رغم بطء تحسن النشاط الاقتصادي وفرص العمل.
انعكاسات القرار على الأسواق
وحول تأثير القرار على الأسواق، أوضح الإدريسي أن خفض الفائدة حتى لو كان محدودًا قد يدعم أسعار الذهب نتيجة تراجع جاذبية الادخار وزيادة الإقبال على المعدن النفيس، بينما يؤدي التثبيت إلى تحركات عرضية في أسعار الذهب دون قفزات كبيرة.
أما بالنسبة لسعر الدولار، فيدعم تثبيت الفائدة استقرار الجنيه نسبيًا، في حين قد يضغط الخفض المحدود على العملة المحلية إذا لم يتزامن مع تدفقات دولارية قوية، وبالنسبة للتضخم، فإن التثبيت يساعد على استمرار المسار الهبوطي، بينما قد يبطئ الخفض من وتيرة التراجع دون أن يعيد التضخم للارتفاع في حال غياب صدمات سعرية أو ضغوط قوية على سعر الصرف.
توقعات بخفض تدريجي خلال 2026
بدوره، توقع الخبير الاقتصادي هاني جنينة، أن يتراجع معدل التضخم في قراءة شهر يناير إلى ما بين 11.7% و11.9%، مشيرًا إلى أن المجال مفتوح أمام البنك المركزي لخفض أسعار الفائدة بنسبة تتراوح بين 1% و2% خلال الاجتماع المقبل، مع إمكانية تقليص نسبة الاحتياطي الإلزامي على البنوك لتعزيز السيولة.
كما اتفق الخبيران المصرفيان محمد عبد العال وسهر الدماطي على إمكانية خفض الفائدة بنسبة تتراوح بين 1% و2% خلال اجتماع فبراير، مع توقعات بإجمالي تخفيضات تتراوح بين 6% و8% على مدار عام 2026.
وفي السياق ذاته، أظهر استطلاع أجرته وكالة رويترز رفع المحللين توقعاتهم لنمو الاقتصاد المصري إلى 4.9% خلال العام المالي الجاري، في ضوء تسارع نتائج الإصلاحات الاقتصادية ضمن برنامج صندوق النقد الدولي، كما توقعت وحدة البحوث الاقتصادية لدى بنك الإمارات دبي الوطني خفض أسعار الفائدة بنحو 2.5%.
ورجّح الاستطلاع تراجع سعر الإقراض لليلة واحدة من مستواه الحالي البالغ 21% إلى 18% بنهاية يونيو المقبل، ثم إلى 13% في العام التالي، وصولًا إلى نحو 11.5% بحلول يونيو 2028.
اجتماعات مرتقبة ومستهدفات التضخم
تنظر لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي في أسعار الفائدة عبر ثمانية اجتماعات خلال عام 2026، تبدأ في 12 فبراير، ثم 2 أبريل، و21 مايو، و9 يونيو، و20 أغسطس، و24 سبتمبر، و29 أكتوبر، و17 ديسمبر.
وكان البنك المركزي رفع أسعار الفائدة بإجمالي 1900 نقطة أساس خلال الفترة من مارس 2022 حتى مارس 2024 لمواجهة التضخم، قبل التحول إلى سياسة التيسير النقدي في 2025، ويستهدف المركزي الوصول بمعدل التضخم إلى نطاق يتراوح بين 5% و9% في الربع الرابع من 2026، ثم بين 3% و7% بحلول الربع الرابع من 2028.
وفي ظل هذه المعطيات، يبقى اجتماع فبراير المرتقب محطة مفصلية في مسار السياسة النقدية خلال 2026، حيث يوازن البنك المركزي بين دعم النمو الاقتصادي وتخفيف أعباء التمويل من جهة، والحفاظ على استقرار الأسعار وسعر الصرف من جهة أخرى، في وقت تتزايد فيه التحديات الداخلية والخارجية.



