السبت 02 مايو 2026
More forecasts: Wetter 4 wochen
رئيس التحرير
محمود المملوك
أخبار
حوادث
رياضة
فن
سياسة
اقتصاد
محافظات
محافظات

خواطر الإصلاح.. الموارد وبصمة الدولة والطاقة

الأحد 15/فبراير/2026 - 08:27 م

أتلقى تساؤلات كثيرة على شاكلة: “إنت داخل سخن ليه؟” و“عايز إيه من وزير البترول؟” و“ليه بتتكلم كتير على وزارة المالية؟”، وهي تساؤلات تعكس انطباعًا لدى البعض بأن وتيرة الطرح تحت قبة مجلس النواب تبدو مرتفعة، أو أن الاشتباك مع بعض الملفات يتسم بحدة غير معتادة خلال الأسابيع الأولى من عمل المجلس.

غير أن الأمر في جوهره لا يرتبط برغبة في التصعيد أو تسجيل مواقف في وقائع آنية، بقدر ما يعكس قناعة راسخة تشكلت عبر سنوات من متابعة وتحليل المشهد الاقتصادي، مفادها أن كثيرًا من التحديات التي نواجهها ليست أزمات طارئة يمكن احتواؤها بإجراءات موضعية، بل هي اختلالات هيكلية ممتدة تراكمت عبر الزمن، وتتطلب قراءة كلية متماسكة، تتعامل مع جذور المشكلة لا مع أعراضها.

فالاقتصاد المصري يواجه ثلاثة اختلالات هيكلية متشابكة، أولها ضعف القدرة على تعبئة الإيرادات العامة بكفاءة وعدالة، بما يعكس خللًا في بنية النظام الضريبي، وثانيها تضخم بصمة الدولة في النشاط الاقتصادي على نحو يتجاوز الدور التنظيمي والرقابي إلى منافسة مباشرة في قطاعات متعددة، أما الاختلال الثالث فيتمثل في قصور التخطيط طويل الأجل في قطاع الطاقة، بما انعكس في صورة أعباء مالية وتشغيلية مباشرة على الموازنة العامة.

وهذه المحاور لا تتحرك في مسارات منفصلة، بل تدور في حلقة مغلقة تعيد إنتاج الضغوط ذاتها، إذ أن ضعف الإيرادات يوسع فجوة التمويل ويدفع نحو مزيد من الاقتراض، أما تضخم الدور الاقتصادي للدولة فيقيد كفاءة تخصيص الموارد ويحد من قدرة القطاع الخاص على قيادة النمو وتوليد فرص العمل، في حين تتحول أزمات الطاقة سريعًا إلى ضغوط على عجز الموازنة والميزان الخارجي، ثم تنتقل آثارها إلى مستويات الأسعار ليتحملها المواطن في النهاية.

المالية: من منطق الأرقام إلى منطق الإطار والعدالة الضريبية

زاوية الاشتباك مع ملف المالية العامة تنطلق من قناعة مفادها أن الاستدامة الاقتصادية لا تُختزل في رقم عجز أقل أو نسبة دين تتراجع هامشيًا، ولا تُدار عبر تحسينات حسابية انتقائية تُجمّل المؤشرات دون أن تعالج بنيتها، فطريقة قياس الدين العام، وإدارة هيكله الزمني وتكلفته، وربط مسار الاقتراض بقدرة الاقتصاد على توليد إيرادات حقيقية ومستدامة، تمثل جوهر المسار المالي للدولة.

والاشتباك هنا لا ينصرف إلى الأرقام في ذاتها، بل إلى الإطار الذي يُنتجها ويمنحها معناها: ماذا نقيس تحديدًا، وكيف نقيسه، وهل تعكس المؤشرات العبء السيادي الكامل بما يشمله من التزامات مباشرة وغير مباشرة، أم أنها تُجزئ الصورة وتُخرج بعض الأعباء خارج نطاق الحسبة، بما يُضعف القدرة على التقييم الموضوعي وصناعة القرار الرشيد.

وفي صلب هذا الإطار يأتي ملف الضريبة باعتباره قضية عدالة اقتصادية قبل أن يكون أداة تعبئة موارد، والفارق بين «الضريبة» و«الجباية» ليس توصيفًا لغويًا، بل اختلافًا في فلسفة المالية العامة، حيث أن الضريبة تُفرض وفق قاعدة قانونية عامة ومجردة، وتستند إلى معايير العدالة الأفقية والرأسية، وتُعاد ترجمتها إلى خدمات عامة قابلة للمساءلة، بما يعزز الثقة ويُرسخ الامتثال الطوعي، على عكس الجباية التي هي تحصيل قسري منفصل عن منطق العدالة والعائد العام، يُضعف العلاقة التعاقدية بين المواطن والدولة، ويقوض قاعدة الالتزام الطوعي التي تقوم عليها أي منظومة ضريبية حديثة سليمة.

وعليه، فإن توسيع القاعدة الضريبية يصبح أولوية لا تحتمل التأجيل، ليس عبر رفع الأسعار أو مضاعفة الأعباء على الممولين الملتزمين، بل من خلال دمج الاقتصاد غير الرسمي، وتقليص التشوهات والاستثناءات غير المبررة، وإعادة تصميم الإعفاءات والحوافز وفق معايير الكفاءة والعدالة، وهو ما يحول الإيراد العام إلى ركيزة تخطيط مستقرة يمكن البناء عليها، بدل الارتهان إلى الدين وترحيل كلفة السياسات إلى أجيال لاحقة.

الاستثمار العام ودور الدولة: من المساءلة إلى البناء المؤسسي

أما زاوية الاشتباك مع ملف الاستثمار العام ودور الدولة، فتنطلق من سؤال الحوكمة الاقتصادية للدولة بوصفها مالكًا للأصول العامة، لا من موقع المراقبة عن بُعد، ففي إطار العمل على «السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية»، جرى الاشتباك الفني المباشر مع وزارة التخطيط، وطرحتُ تصورات محددة تتعلق بإدارة الاستثمار العام، وأولويات تخصيص الموارد، وربط خطط الإنفاق الرأسمالي بمؤشرات عائد اقتصادي واجتماعي قابلة للقياس.

والمقاربة هنا ليست مساءلة من خارج المنظومة، بل مساهمة في بناء إطار تخطيطي يُحسّن جودة القرار الاستثماري العام، ويُعيد ربطه بأهداف إنتاجية وتنموية واضحة، بما يقلل من مخاطر تشتت الإنفاق وضعف الأثر، فحين تتداخل أدوار الدولة بين الملكية والتنظيم والتشغيل، تتراجع جودة الحوكمة، وتختلط خطوط المساءلة، ويصعب تعظيم العائد على رأس المال العام.

لذلك يظل الإطار المطلوب لا يتمحور حول جدل نظري بشأن حجم نشاط الدولة، بل حول كفاءة هذا الدور وجدواه الاقتصادية، فإدارة ملكية الدولة بمنطق اقتصادي احترافي، ينبغي أن يتم من خلال تقييم أداء الأصول، وقياس العائد والمخاطر، والفصل المؤسسي بين الدور التنظيمي والدور الاستثماري

البترول والطاقة. من رد الفعل إلى التخطيط الواقعي

ملف الطاقة ليس ملفًا قطاعيًا محدود الأثر، بل مكوّنًا سياديًا يؤثر مباشرة في الموازنة العامة، وكلفة الكهرباء، وتنافسية الصناعة، واستقرار ميزان المدفوعات، وزاوية الاشتباك هنا تقوم على معيار التخطيط الواقعي، فالفجوة بين المستهدفات المعلنة والقدرات التنفيذية الفعلية تتحول سريعًا إلى تكلفة مالية ملموسة عبر الاستيراد الأعلى كلفة وتشغيل وقود بديل، وما يترتب عليه من ضغوط على المالية العامة.

هذا الاشتباك لم يكن وليد لحظة سياسية أو رد فعل عابر، بل استند إلى عمل تراكمي ممتد على مدار عامين، جرى خلالهما إعداد أوراق تحليلية ودراسات فنية ومشاركتها بشكل متواصل مع الجهات المعنية، تناولت مسارات الإنتاج، ومخاطر التخطيط غير المنضبط، وتداعيات الفجوات التنفيذية على الموازنة العامة وقطاع الكهرباء، وهذا التراكم المعرفي هو ما شكّل أرضية الموقف الرقابي لاحقًا، بحيث يكون النقاش مستندًا إلى تحليل موثق ومسار عمل، لا إلى انطباعات ظرفية.

من الاشتباك إلى الإطار العام

ويتعزز هذا المسار الرقابي حين نضعه في سياقه الأوسع، إذ إن ما يُطرح تحت القبة لا يأتي بوصفه مواقف متفرقة أو ردود أفعال آنية، بل كجزء من رؤية متكاملة جرى العمل على بلورتها ضمن برنامج حزب العدل، بمشاركة كوكبة من الزملاء والخبراء، انطلاقًا من قناعة بأن أي إصلاح اقتصادي جاد يحتاج إلى إطار عام يحكم النقاش والسياسات معًا، خاصة وأن وجود هذا الإطار هو ما يحصّن النقاش العام من الانزلاق إلى منطق «التخريجات» المؤقتة، ويحول دون اختزال القضايا الهيكلية في معالجات جزئية أو حلول ظرفية.

أعلم أن البعض سوف يذهب إلى تساؤل «فين الحل؟»، لكن الحقيقة هي أنه لا يوجد حل سريع لمشكلات جذرية، فالمشكلات الهيكلية لا تُعالج بحزمة قرارات طارئة، بل بمسار مؤسسي متدرج يعالج القواعد التي تُنتج الخلل قبل التعامل مع أعراضه؛ لذلك فإن الاشتباك مع الملفات الاقتصادية الكبرى هو اشتباك على مستوى الإطار والمنهج قبل أن يكون اشتباكًا على مستوى السياسات التفصيلية.

في المحصلة، جوهر هذا الاشتباك الاقتصادي هو إعادة بناء منطق الإدارة الاقتصادية ذاته، فالإدارة ليست مجموعة حلول طارئة، بل منظومة متكاملة من تخطيط منضبط، وتنفيذ قابل للقياس، ومتابعة ومسؤولية، كما أنه لا توجد حلول فنية معزولة لمشكلات هيكلية.. وحده مسار إصلاحي مؤسسي، واضح الإطار، منضبط المعايير، وقابل للقياس، يمكنه أن ينقل الاقتصاد من إدارة الأزمات إلى إدارة مسار تنموي مستدام، وتترجم فيه الأرقام إلى أثر ملموس في حياة المواطنين، بدل أن تبقى الجهود الحكومية أسيرة تحسين المؤشرات دون تغيير الواقع.

تابع مواقعنا