هل ينعكس انخفاض التضخم في مصر على موائد رمضان 2026؟
مع حلول شهر رمضان، يتجدد تساؤل الأسر المصرية حول الأسعار، ومدى تأثير التغيرات الاقتصادية ومعدلات التضخم على الإنفاق اليومي، ونوعية الأطباق على مائدة الإفطار.
الأشهر الأخيرة شهدت تباطؤًا في معدلات التضخم، ما ساهم في استقرار نسبي بأسعار السلع الغذائية مقارنة بعام 2024 الذي تجاوزت فيه الزيادات مستويات قياسية.
سؤال الأسعار
التراجع لم يؤدِّ إلى انخفاض حاد في الأسعار، لكنه منح الأسر متوسطة الدخل قدرة أكبر على التخطيط لقائمة مشتريات رمضان دون حذف أصناف أساسية كما حدث سابقًا، ففي 2024 اتجهت الأسر لتقليص اللحوم والأسماك والتركيز على السلع الأقل تكلفة، بينما في 2026 عادت بعض الأصناف تدريجيًا إلى المائدة مع إدارة أكثر وعيًا للميزانية والتركيز على العروض ومعارض “أهلا رمضان”، ما يعكس تأثير استقرار التضخم على نمط الاستهلاك الرمضاني وتحسين توازن الإنفاق الأسري.
تراجع معدلات التضخم خلال عام 2025 وحتى يناير 2026 لا يعني بالضرورة حدوث انخفاض حاد أو “رخص فاحش” في الأسعار، بقدر ما يعكس حالة من الاستقرار النسبي وقدرة أكبر على التنبؤ بحركة الأسواق، بعد فترة من التقلبات العنيفة التي شهدها عام 2024، حسب ما أكده الخبير المصرفي الدكتور عز حسانين.
وتيرة زيادة الأسعار تباطأت بشكل واضح مقارنة بعام 2024 الذي قفز فيه معدل التضخم إلى أكثر من 25%، هذا ما قاله الدكتور عز حسانين الخبير الاقتصادي، في تصريحات لـ القاهرة 24، مشيرا إلى أن نحو 50% من السلع الأساسية يتم استيرادها من الخارج، ما جعل الأسواق تتأثر بقوة بتغيرات سعر الصرف آنذاك.
وبعد استيعاب الأسواق لمستويات سعر الصرف الجديدة وهدوء وتيرة الارتفاعات، لم تعد مضطرة إلى حذف سلع أساسية من قائمة مشترياتها كما حدث خلال 2024-2025، بل أصبحت قادرة على إدارة ميزانيتها بهامش أمان أكبر. ولفت إلى أن مائدة رمضان هذا العام استعادت بعض تفاصيلها التقليدية التي غابت في 2024، لكنها باتت “أكثر ذكاءً”، حيث يتركز الإنفاق على القيمة الغذائية بدلًا من مظاهر البهرجة السابقة للأزمة.
في المقابل، نبه حسانين إلى أن الأسعار شهدت ارتفاعات ملحوظة خلال الأسبوعين الأخيرين من شهر شعبان، مدفوعة بزيادة الطلب على السلع القابلة للتخزين مثل الأرز والدقيق والزيوت والمكرونة والمعلبات، استعدادًا لشهر رمضان.
كما ارتفعت أسعار الدواجن والأسماك واللحوم للسبب ذاته، مع اتجاه بعض الأسر للتخزين تحسبًا لزيادات محتملة خلال النصف الأول من الشهر الكريم.
ويضيف حسانين أن الحكومة تحركت بشكل استباقي من خلال تنسيق بين وزارات التموين والزراعة والمالية، وهيئة السلع التموينية والشعب التجارية، لتنظيم معارض “أهلا رمضان” وتوفير السلع الأساسية بأسعار تقل عن مثيلاتها في الأسواق بنسبة تتراوح بين 20% و30%. كما لوّحت بالتدخل عبر الاستيراد عند ارتفاع أسعار الدواجن، ما ساهم في تهدئة السوق ودفع الأسعار للتراجع نسبيًا.
هناك عامل إضافي أسهم كذلك في زيادة الطلب ورفع الأسعار، يتمثل في مشتريات رجال الأعمال والجمعيات والمؤسسات الخيرية وبنوك الطعام لتجهيز “شنط وكراتين رمضان” التي تضم سلعًا أساسية مثل الأرز والزيت والسكر والبقوليات والشاي والمكرونة، وأحيانًا بعض البروتينات، إلى جانب احتياجات موائد الرحمن اليومية من اللحوم والدواجن والعصائر.
يختتم حسانين تصريحاته: بعض الأصناف قد تقل على موائد الرحمن هذا العام، لكن سخاء المتبرع المصري لم يتراجع، بل أصبح أكثر وعيًا وحرصًا على تحقيق التوازن بين استقرار معدلات زيادة الأسعار والميزانية المخصصة للعمل الخيري، بما يضمن الحفاظ على حجم المساعدات قدر الإمكان، رغم أن الفاتورة الإجمالية لا تزال أعلى مقارنة بسنوات ما قبل الأزمة.
ربط الإفراط بالكرم.. مفهوم خاطئ
من أبرز السلوكيات الخاطئة خلال شهر رمضان ربط مفهوم الكرم بكثرة الأصناف والإفراط في الإنفاق، حيث إن هذا النمط الاستهلاكي يؤدي إلى هدر كميات كبيرة من الطعام وزيادة المصروفات الشهرية دون مبرر حقيقي، هذا ما أكدته أستاذة الاقتصاد منال خيري.
وتوضح خيري، أن الاكتفاء بصنفين أو ثلاثة أطباق رئيسية على المائدة يكفي لتلبية الاحتياجات الغذائية للأسرة دون إسراف، مشيرة إلى أن التنوع المبالغ فيه لا يعكس بالضرورة جودة الضيافة بقدر ما يرهق ميزانية الأسرة.
كما حذرت من الانسياق وراء العروض الترويجية التي تزداد خلال مواسم رمضان والأعياد، لافتة إلى أن بعض هذه العروض قد تكون خادعة وتدفع المستهلك لشراء سلع غير ضرورية بدافع التخفيضات، وهو ما يضاعف الإنفاق ويزيد من معدلات الهدر الغذائي.
تراجع التضخم وتهدئة تكاليف سلسلة الإمداد
تراجع التضخم يساعد في تهدئة إجمالي تكاليف سلسلة الإمداد، ما ينعكس في نهاية المطاف على الأسعار التي تدفعها الجمعيات والمتبرعون عند تجهيز موائد الرحمن، حسب ما تشير إليه الدكتورة منى عبد العزيز، أستاذة الاقتصاد وتجارة التجزئة.
“من الواضح أن انخفاض التضخم يؤثر مباشرة على تكلفة شراء الجملة للسلع الأساسية، ويقلل من تقلبات الأسعار غير المبررة التي كانت تضغط على ميزانيات مشاريع الإفطار الجماعي". أضافت عبد العزيز في تصريحات لـ القاهرة 24.
ذلك سببًا في اتساع رقعة المستفيدين من موائد الرحمن هذا العام مقارنة بالسنوات ذات التضخم المرتفع، إذ يتوافر قدر أكبر من الموارد لشراء المواد الغذائية بأسعار ثابتة نسبيًا، كما أوضحت أستاذة الاقتصاد وتجارة التجزئة.



