الهلال الذي قرر أن يدوّخ الأمة كلها
ليلة واحدة فقط جعلت العالم العربي يبدو كأنه مجموعة فصول دراسية مختلفة، وكل فصل يعلن نتيجة امتحانه في توقيت مختلف، فبعض الدول قالت بثقة تامة إن غدًا هو أول رمضان، ودول أخرى قالت بالراحة كده اسمعونا، وإحنا مكملين شعبان يوم كمان، وبين هذا وذاك، وقف المواطن العربي من المحيط إلى الخليج يمسك هاتفه بيد، ومشاعره باليد الأخرى، منتظرًا بيانًا جديدًا قد يغيّر جدول نومه وميزانية بيته ومواعيد مزاجه.
المشهد كله يشبه فيلمًا عربيًا قديمًا، حين يمسك البطل بالورقة ويقول: “هو في حد فاهم حاجة؟”.
والحقيقة؟ لا أحد فاهم حاجة بالفعل.
الهلال ظهر في دول، واختفى في دول، واحتار بين لجان شرعية هنا، وحسابات فلكية هناك، وكأنه قرر اختبار قدرة الأمة على الصبر قبل أن تختبر الأمة قدرتها على الصيام.
المفارقة الأولى: رمضان جاء يومين.. في يوم واحد
حين استيقظ الناس صباح الأربعاء، اكتشفوا أن بعض البلاد صائمة، والبعض الآخر مفطر، وأن هناك عائلات عربية ممتدة باتت منقسمة بين الشرق والغرب.
تتخيل المشهد؟
أخ يعيش في دولة صائمة… يرسل لأخيه في دولة أخرى: كل سنة وأنت طيب، فيرد عليه الثاني: علينا وعليك.. بس استنّى بكرة.
كأن رمضان وصل على دفعتين، دفعة صائمة ودفعة مراقبة، وهذا وحده كفيل بأن يجعل العقل يرفع لافتة مكتوب عليها: يا جماعة.. هو إحنا بنفرق هلال ولا بنوزع فطار على مجموعات؟
أما المفارقة الثانية: العيال فهمت قبل الكبار
في اللحظة التي أعلنت فيها دولة ما أن الأربعاء هو أول رمضان، سأل طفل صغير أباه: هو إحنا هنصوم النهارده ولا لأ؟
فرد الأب بكل ثقة: على حسب الدولة اللي أنت تابع لها.
طبعًا الطفل لم يفهم الجملة، لكن الحقيقة الصادمة أن الطفل الوحيد الذي لم يتلخبط، هو فقط يريد أن يمسك الفانوس، سواء صام اليوم أو غدًا.
أما الكبار دخلوا في نقاشات فلسفية حول المطالع، والاختلاف، واللجان، والتلسكوبات، نقاشات لو جلس معهم القدماء المصريون أنفسهم لقالوا: يا جماعة إحنا كنا بنشوف القمر ونرتاح، إيه المبالغة دي؟
والمفارقة الثالثة: كل دولة معها حق.. وكل دولة عكس الثانية برضه معها حق
إن هذا النوع من التناقض له نكهة عربية خالصة، فتجد دولة تعتمد الرؤية بالعين المجردة، وأخرى تعتمد الحسابات الفلكية، وثالثة تنتظر جيرانها، وكأن الهلال موظف ينتقل بين المكاتب، كل مكتب يختم له على ورقة مختلفة، والأجمل من ذلك أن كل دولة تصدر بيانًا في غاية الوقار، وكأنها تقول: يا جماعة.. إحنا ماشين بالعلم.. بينما المواطن ينظر للسماء في النهاية ويقول:
يا ريتني كنت هلال… كنت أصدّع مين وأسيب مين.
المفارقة الرابعة: المزاج العام أصبح نص رمضان
في البيوت، وجدنا الناس تتصرف وكأن رمضان بدأ.. حتى لو لم يبدأ، فالأسواق ازدحمت، المخابز اشتغلت، وتجار البلح ظهروا فجأةً كما يظهر الدراويش في حلقات الذكر، وكأن الأمة كلها اتفقت على شيء واحد ولو لأول مرة: بصراحة.. بداية رمضان دي مش يوم، دي حالة.
حتى من لم يصم اليوم الأول، يشعر أنه نصف صائم، ومن صام، يشعر أنه نصف فرحان.
والنتيجة؟، مزاج رمضاني معلّق.. بين يومين، وبين إعلامين، وبين هلال ظهر في دولة واختفى في أخرى.
نظر العبد لله إلى السماء، ثم إلى الأخبار، ثم إلى تعليقات الناس، وقال لنفسه: الهلال حر، بس لازم يعاملنا برحمة شوية، ثم تذكرت الحقيقة البسيطة التي ينساها الجميع حين يبدأ الجدل؛ أن رمضان لا يدخل في بطون الناس قبل أن يدخل في قلوبهم، وأنه قد يختلف في اليوم، لكن لا يختلف في الأثر، وأن الأُمَّة، رغم اختلاف بدايتها، ستلتقي جميعًا في نهايتها على فنجان قهوة بعد الفطار، وفي دعاء واحد، وفي لحظة هدوء كونية لا يسجلها إلا من مر على حافة الجوع والسكينة في آن واحد.
وربما جاء هذا الاختلاف ليذكرنا أن السماء فوق الجميع، وأننا جميعًا بكل لغطنا نقف على الأرض نفسها وننظر إلى الهلال نفسه، حتى لو رأيناه في أيام مختلفة.



