الجمعة 01 مايو 2026
More forecasts: Wetter 4 wochen
رئيس التحرير
محمود المملوك
أخبار
حوادث
رياضة
فن
سياسة
اقتصاد
محافظات
محافظات

مفتي الجمهورية: الإمام الطيب بالنسبة لي الوالد والأستاذ والمعلم.. ولا نتعامل مع التريند بوصفه معيارًا للحق أو الباطل.. وهذا رأيي في مصطلح الشيخ ChatGPT| حوار

الدكتور نظير عياد
أخبار
الدكتور نظير عياد مفتي الجمهورية مع محرر القاهرة 24
الخميس 19/فبراير/2026 - 11:56 ص

في لحظة تتسارع فيها التحولات الرقمية، وتتقاطع الأسئلة الدينية مع الجدل المجتمعي والسياسي، يتحدث الدكتور نظير عياد مفتي الجمهورية المصرية، في حوار موسع مع القاهرة 24، يكشف ملامح الرؤية التي تحكم عمل دار الإفتاء المصرية في واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا في المجال الديني العام، مقدّمًا تصورًا واضحًا لإدارة الشأن الإفتائي وسط تحديات فكرية وتقنية متسارعة.

يتناول مفتي الجمهورية فلسفة العمل داخل الدار، وتطور أدواتها بين الرصد والتحليل والرد العلمي، وسعيها إلى ضبط المشهد الفقهي عبر مسارات مؤسسية وقانونية، بعيدًا عن ضجيج «التريند» ومنطق الاستجابة اللحظية. كما يناقش حدود الاستفادة من الذكاء الاصطناعي، وإشكالية إسناد المرجعية الشرعية إلى أدوات رقمية، مؤكدًا أن الفتوى مسؤولية إنسانية وأخلاقية قبل أن تكون معلومة قابلة للاسترجاع.

ولا يقتصر الحوار على الشأن المؤسسي؛ إذ يفتح مفتي الجمهورية جانبًا من حياته الشخصية، وكيف يوازن بين أعباء المسؤولية وأوقاته الخاصة، وعلاقته بالقراءة والعبادة والأسرة بوصفها مساحة للاستقرار وتجديد الطاقة. كما يتحدث عن علاقته بـ الإمام أحمد الطيب، شيخ الأزهر، الذي وصفه بالوالد والأستاذ والمعلم، مؤكدًا أن التنسيق والتكامل بين المؤسسات الدينية يمثلان ركيزة أساسية لترسيخ المرجعية الوسطية وضبط الخطاب الديني.

ويمتد النقاش إلى المواقف الإقليمية والإنسانية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، ودور المؤسسة في التعبير عن موقف شرعي ووطني منسجم مع الثوابت والقانون الدولي، في سياق يؤكد حضور المؤسسة الدينية في المجال العام بوصفها فاعلًا وطنيًا ومعرفيًا.

وإلى نص الحوار: 

  • الإمام الطيب بالنسبة لي بمثابة الوالد والأستاذ والمعلم
  • رمضان هذا العام سيشهد نشاطًا مكثفًا وخدمات مهمة تقدمها دار الإفتاء
  • الدار هذا العام ولأول مرة ستقدم مسلسلًا كرتونيًّا بعنوان أنس AI
  • أحاول قدر المستطاع أن أوازن بين مقتضيات العمل وواجباتي الأسرية
  • أحرص على أن أقرأ في كل العلوم والفنون والقضايا وغالبًا يكون بعد صلاة الفجر
  • أحرص على أن تكون لي أوقات هادئة للعبادة والذكر أخلو فيها بربي
  • فوضى الفتاوى على التواصل الاجتماعي تحديًا حقيقيًّا في عصر الانفتاح الرقمي
  • الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يحل محل المفتي المؤهل
  • التعامل مع قضية الإلحاد لا يكون بالانفعال وإنما بالفهم والحوار والعلم
  • ننظر إلى ظاهرة الإلحاد باعتبارها تحديًا فكريًّا يتطلب معالجة علمية ومنطقية هادئة
  • لا أرى أن هناك قطيعةً أو فجوةً حقيقيةً بين الشباب والمؤسسات الديني
  • بعض الهجوم على دار الإفتاء يرجع إلى سوء الفهم أو اجتزاء التصريحات
  • ما يُسمى بالفتاوى التريند هو في حقيقته نتاج لطبيعة العصر الرقمي
  • في دار الإفتاء لا نتعامل مع «التريند» بوصفه معيارًا للحق أو الباطل ولا نَنجَرُّ إلى إصدار فتاوى لمجرد مواكبة الضجيج
  • قانون تنظيم إصدار الفتوى الشرعية خطوة مهمَّة في ضبط المشهد الفقهي وتنظيم عمل الإفتاء في مصر
  • هناك انسجام واضح بين فضيلتكم والإمام الطيب، فما السر؟

فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف هو -بالنسبة لي- بمثابة الوالد والأستاذ والمعلم، بما يمثله من قيمة علمية رفيعة وخبرة عميقة وتجربة ممتدة في خدمة الإسلام والمسلمين، تعلمت منه أن العالم الحقيقي هو من يجمع بين رسوخ العلم وحسن الخلق وسعة الأفق، وأن القيادة هي مسؤولية أخلاقية وأمانة وتكليف قبل أن تكون تشريفًا

  •  ما الجديد الذي تقدمه دار الإفتاء للجمهور في شهر رمضان؟

سيشهد رمضان هذا العام نشاطًا مكثفًا وخدمات مهمة تقدمها دار الإفتاء المصرية على مدار الشهر الكريم، وذلك في ضوء خطة شاملة ومتكاملة وضعتها دار الإفتاء تهدف إلى الجمع بين تكثيف الخدمات الإفتائية وتعميق الرسالة التوعوية والوجود الإعلامي والميداني للمؤسسة.

فمن أبرز ملامح هذا العام النشاط الإعلامي المكثف عبر مجموعة واسعة من الإذاعات والقنوات المصرية، سواء للمفتي أو للسادة أمناء القتوى بالدار، وقد قمنا بتصوير وتسجيل العديد من البرامج التي من المفترض تعرض في هذا الشهر الكريم فسيكون لي إن شاء الله برنامج من مكارم الأخلاق، واللهم أعنَّا، ونسمات ربانية، إلى جانب برنامج حديث المفتي، وبرنامج اسأل المفتي، وبرنامج مع فضيلة المفتي، إضافة إلى مقالات دورية في الصحف القومية والخاصة، وحلقات مصورة للسادة أمناء الفتوى وهو ما يعكس حضورًا إعلاميًّا واسعًا ومتعدد المنصات.

كما تقدم دار الإفتاء هذا العام ولأول مرة مسلسلًا كرتونيًّا بعنوان « أنس AI » يعرض على شاشات الشركة المتحدة والتلفزيون المصري، إلى جانب منصات الدار الرقمية ويعد هذا العمل نموذجًا جديدًا يدمج بين الذكاء الاصطناعي والقيم الأخلاقية، موجَّهًا للأطفال والأسرة المصرية، بهدف بناء وعي تربوي معاصر يواكب تحديات العصر بلغة تناسب الأجيال الجديدة، أما في الجانب الإفتائي فقد تم تنظيم الخدمات لتكون متاحة على مدار اليوم، سواء من خلال الفتوى الشفوية في المقر الرئيسي بالقاهرة، أو عبر الفتوى الهاتفية والإلكترونية، مع مد ساعات العمل قبل الإفطار وبعده حتى منتصف الليل. 

كما تعمل فروع الدار في المحافظات كالإسكندرية وأسيوط ومطروح والغربية وفق جداول ممتدة، مع تنفيذ أنشطة ميدانية مثل فتاوى الصائمين، واسأل دار الإفتاء، وتنظيم مجالس إفتائية وندوات في المساجد الكبرى والمدارس والجامعات، إضافة إلى أن الدار أطلقت بوابة إلكترونية خاصة بشهر رمضان منبثقة عن موقعها الرسمي، تعنى بكل ما يهم الصائم من أحكام الصيام والتراويح والاعتكاف والعمرة وزيارة النبي صلى الله عليه وسلم، وتضم فتاوى معتمدة ومواد مرئية وكتاب الصيام.

الدكتور نظير عياد مفتي الجمهورية مع محرر القاهرة 24
الدكتور نظير عياد مفتي الجمهورية مع محرر القاهرة 24
  • كيف تقضون أوقاتكم بعيدًا عن العمل وهل هناك وقت للأسرة؟

طبيعة المسؤولية التي نحملها تجعل وقت العمل ممتدًّا ومتداخلًا مع كثير من مجريات اليوم، لكن الإنسان مهما كانت أعباؤه يحتاج إلى مساحة يراجع فيها نفسه، ويجدد طاقته، ويمنح أسرته حقها؛ لذا أحاول قدر المستطاع أن أوازن بين مقتضيات العمل وواجباتي الأسرية، لأن الأسرة هي البيئة التي تمنح الإنسان الاستقرار والطمأنينة، وأوقات الراحة بالنسبة لي ليست بعيدة عن اهتماماتي العلمية، فأنا أجد متعتي بين الكتب والمكتبات لذا أحرص على أن أقرأ في كل العلوم والفنون والقضايا وغالبًا ما يكون بعد أداء صلاة الفجر، كما أحرص على أن تكون لي أوقات هادئة للعبادة والذكر، أخلو فيها بربي فهي التي تعينني على تجديد النية والقرب من الله عزّ وجل.

  • كيف تواجه دار الإفتاء فوضى الفتاوى المنتشرة على السوشيال ميديا؟

فوضى الفتاوى على مواقع التواصل الاجتماعي تمثل تحديًا حقيقيًّا في عصر الانفتاح الرقمي، لكننا في دار الإفتاء المصرية نتعامل معها بمنهج مؤسسي متكامل، لا يقوم على ردود الأفعال المتعجلة، بل على الرصد والتحليل والتصحيح الهادئ.

ففي البداية هناك متابعة مستمرة لما ينشر عبر المنصات المختلفة من خلال أدوات علمية متخصصة، وعلى رأسها المرصد الإعلامي للدار الذي يرصد الخطاب الديني المتداول ويحلل اتجاهاته، ويحدد القضايا التي قد تُحدث بلبلة في الرأي العام كما يقوم المؤشر العالمي للفتوى بدراسة الفتاوى المنتشرة محليًّا ودوليًّا، وتحليل مضامينها وسياقاتها وآثارها، بما يتيح فهمًا أعمق لطبيعة الخطاب الديني في الفضاء الرقمي.

وعند رصد فتوى شاذة أو طرح غير منضبط، يتم إعداد ردٍّ علمي واضح يستند إلى الأدلة الشرعية والقواعد الفقهية، ويُقدَّم بلغة هادئة. وقد يكون الرد في صورة بيان رسمي، أو فتوى منشورة على الموقع، أو مداخلة إعلامية توضح الحكم الصحيح وتضع الأمور في نصابها.

الدكتور نظير عياد مفتي الجمهورية مع محرر القاهرة 24
الدكتور نظير عياد مفتي الجمهورية مع محرر القاهرة 24
  • ما موقف الشرع من الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة؟

الأصل في الشريعة الإسلامية أن الوسائل والتقنيات الحديثة ومنها الذكاء الاصطناعي -مباحة في ذاتها، ما دامت لا تتضمن محظورًا شرعيًّا ولا تؤدي إلى مفسدة فالتكنولوجيا أداة، وحكمها يدور مع طريقة استخدامها ومآلاتها، فإن استخدمت في تحقيق مصالح الناس، وخدمة العلم، وتيسير المعاملات، ونشر المعرفة، فهي من قبيل عمارة الأرض التي دعا إليها الإسلام.

ومن هذا المنطلق، لم يكن تعامل دار الإفتاء المصرية مع قضايا الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا تعاملًا نظريًّا مجردًا، بل تعاملًا مؤسسيًّا علميًّا فقد عقدت الدار المؤتمر العالمي السادس للأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم تحت عنوان: مؤسسات الفتوى في العصر الرقمي.. تحديات التطوير وآليات التعاون، عام 2021م، حيث ناقش المؤتمر قضية التحول الرقمي في المؤسسات الإفتائية، وأهمية إدخال هذه المؤسسات في العصر الرقمي، وتحديات تطبيق الرقمنة، وآليات الاستفادة من التقنيات الحديثة في تعزيز التعاون بين دور الإفتاء، وتفعيل الاجتهاد الجماعي، ووضع آليات للفتوى الجماعية على المستويين الوطني والعالمي، فضلًا عن دراسة كيفية توظيف التطور الرقمي في مواجهة الأزمات، كما حدث في جائحة كورونا.

ثم جاء المؤتمر العالمي العاشر للأمانة العامة الذي انعقد العام الماضي 2025م تحت عنوان: صناعة المفتي الرشيد في عصر الذكاء الاصطناع"، ليؤكد أن المسألة لم تعد مجرد استخدام أدوات تقنية، بل أصبحت قضية تأهيل وتكوين وضبط أخلاقي وقد تناول المؤتمر الإشكاليات التي تفرضها التقنية الحديثة على العمل الإفتائي، من الجوانب الأخلاقية، إلى أدوات إعداد المفتي، مرورًا بتحديات التعامل مع البيانات الذكية، وكيفية التكامل بين الفتوى والذكاء الاصطناعي دون أن تفقد الفتوى إنسانيتها أو مسؤوليتها الشرعية.

ومن هنا فإن موقف الشرع ليس رفضًا مطلقًا للتقنية، ولا قبولًا غير مشروط، بل هو موقف تقويم وترشيد، فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يسهم في تنظيم العمل الإفتائي، وتحليل البيانات، وتيسير الوصول إلى الفتاوى، لكنه لا يمكن أن يحل محل المفتي المؤهل الذي يتحمل مسؤولية الكلمة أمام الله والناس، فتبقى المسؤولية الشرعية والقرار النهائي بيد العالم المختص؛ لأن الفتوى  هي فهم للنص، وإدراك للواقع، ونظر في المآلات، وكل ذلك يحتاج إلى عقل بشري واعٍ وروح مسؤولة.

  • ما رأيكم في مصطلح الشيخ شات جي بي تي خاصة أن البعض أصبح الآن يستفتي شات جي بي تي في كثير من المسائل الدينية وغير الدينية؟

للأسف هذا أمر محزن، فالذكاء الاصطناعي لا يملك وعيًا ذاتيًّا، ولا إدراكًا شرعيًّا، ولا مسؤولية أخلاقية، ولا قدرة على استحضار النية أو تحمل تبعة القول، والفتوى في جوهرها ليست مجرد تجميع معلومات، بل هي تنزيل للنص على واقع معين، ومراعاة للظروف والمآلات، وتحمل لمسؤولية الكلمة أمام الله والناس، ولهذا لا يصح أن يطلق على هذه الأدوات وصف الشيخ أو المفتي.

نحن لا نرفض الاستفادة من التقنيات الحديثة، بل نؤكد أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون مُعِينًا في البحث، أو تصنيف الأسئلة، أو تسهيل الوصول إلى الفتاوى المعتمدة، لكن تبقى الفتوى مسؤولية بشرية يتولاها عالم مؤهل ضمن إطار مؤسسي منضبط فالمشكلة لا تكمن في استخدام الأداة، وإنما في إضفاء صفة المرجعية الشرعية عليها دون إشراف علمي بشري.

الدكتور نظير عياد مفتي الجمهورية مع محرر القاهرة 24
الدكتور نظير عياد مفتي الجمهورية مع محرر القاهرة 24
  • كيف تواجه دار الإفتاء الإلحاد؟

التعامل مع قضية الإلحاد لا يكون بالانفعال، وإنما بالفهم والحوار والعلم ونحن في دار الإفتاء المصرية ننظر إلى هذه الظاهرة باعتبارها تحديًا فكريًّا يتطلب معالجة علمية ومنطقية هادئة، تقوم على تفكيك الشبهات، وبناء الثقة، وتقديم خطاب عقلاني يجيب عن الأسئلة الوجودية التي قد تقلق بعض الشباب.

ومن هذا المنطلق أنشأت دار الإفتاء وحدة حوار لمواجهة الفكر الإلحادي والشبهات؛ ليكون منصة علمية متخصصة تعنى برصد الشبهات المثارة، وتحليلها، والرد عليها بلغة عقلية ومنهجية، بعيدًا عن الأسلوب الوعظي المجرد. 

وتعمل وحدة حوار على إعداد بحوث ودراسات، وتنظيم لقاءات حوارية، وإنتاج مواد مرئية ومكتوبة تخاطب الشباب بلغة معاصرة تحترم عقولهم وتساؤلاتهم، مثل الدليل الإرشادي لأسئلة الأطفال الوجودية، وغيرها من الإصدارات.

كما تعتمد الوحدة على منهج يجمع بين الدليل النقلي والعقلي، ويستفيد من علوم الفلسفة وعلم الكلام والعلوم الإنسانية، لإبراز انسجام الإيمان مع الفطرة والعقل، وبيان أن كثيرًا من الشبهات المعاصرة تقوم على تصورات غير دقيقة عن الدين أو على فهم مبتور للنصوص.

  • كيف يتم محاورة الشاب الملحد حال لجوئه إلى دار الإفتاء وكم يستغرق من الوقت للعدول عن فكره؟

عندما يلجأ شاب يمر بتجربة فكرية أو شكوك إلى دار الإفتاء، فإن أول ما نحرص عليه هو أن يشعر بالأمان والاحترام، وليس بالمحاكمة أو الإدانة، حيث نقوم بفتح باب النقاش بهدوء مهما طالت المدة التي يستغرقها هذا النقاش، ويعطى الشاب مساحة كاملة لعرض أفكاره دون مقاطعة أو تقليل، ثم يبنى الرد على أسس علمية وعقلية، تجمع بين الدليل الشرعي، والحجة الفلسفية والعقلية، والمعالجة النفسية إن لزم الأمر.

والهدف ليس كسب مناظرة، بل إزالة اللبس، وبناء الثقة، وإعادة ربط الشاب بمعنى الإيمان بصورة واعية وتعتمد وحدة حوار في عملها على منهج يجمع بين الدليل النقلي والعقلي، ويستفيد من علوم الفلسفة وعلم الكلام والعلوم الإنسانية، لإبراز انسجام الإيمان مع الفطرة والعقل، وبيان أن كثيرًا من الشبهات المعاصرة تقوم على تصورات غير دقيقة عن الدين أو على فهم مبتور للنصوص.

  • ما منهج دار الإفتاء في مواجهة قضية الطلاق في مصر وكم عدد من لجأوا للدار ومن تم حل مشكلتهم؟

قضية الطلاق في مصر من القضايا التي تتعامل معها دار الإفتاء بمنهج يجمع بين الدقَّة الشرعية والمسؤولية الاجتماعية؛ فنحن لا ننظر إلى الطلاق باعتباره مجرد لفظ يفصل فيه حكم نظري، بل باعتباره قرارًا يمسُّ كيان الأسرة واستقرار المجتمع، ومن ثَم فإن التعامل معه يتطلب فهمًا عميقًا للسياق والملابسات.

وعند ورود أي حالة طلاق، يتم عرضها على أمناء الفتوى المتخصصين، ويستمع إلى الطرفين لفهم حقيقة الواقعة، خاصة في حالات الغضب، أو الطلاق المعلَّق، أو التكرار، أو الإكراه ويتم التحقق من توافر أركان الطلاق وشروطه وفق الضوابط الفقهية المعتمَدة، مع مراعاة النية والسياق، وعدم التسرُّع في الحكم. وكثير من الحالات يتبين فيها أن الطلاق لم يقع شرعًا، أو أنه يحتاج إلى ضبط المفهوم قبل اتخاذ قرار نهائي.

وفي إطار الحرص على تقليل نِسَب الطلاق ومعالجة جذوره، أنشأت دار الإفتاء إدارة الإرشاد الزواجي، وهي إدارة متخصصة تُعنَى بتأهيل المقبلين على الزواج من خلال برامج توعوية ودورات تدريبية تتناول الجوانب الشرعية والنفسية والاجتماعية للحياة الزوجية. 

كما تعمل الإدارة على استقبال المشكلات الزوجية القائمة، والسعي إلى الإصلاح بين الزوجين عبر جلسات حوار وإرشاد، بالتعاون مع مختصين في الجوانب النفسية والاجتماعية، بهدف إعادة الاستقرار للأسرة قبل الوصول إلى مرحلة الانفصال.

  • هل ترون فجوة بين الشباب والمؤسسات الدينية؟

لا أرى أن هناك قطيعةً أو فجوةً حقيقيةً بين الشباب والمؤسسات الدينية، لكن يمكن القول إن هناك أحيانًا فجوة في أسلوب التواصل، لا في جوهر الانتماء؛ فالشباب بطبيعتهم يتأثرون بسرعة التغيرات الثقافية والرقمية، ويتلقون معارفهم من مصادر متعددة، وبعضها غير منضبط، بينما ظلت بعض المؤسسات لفترة تعتمد أدواتٍ تقليديةً لا تتناسب دائمًا مع طبيعة هذا الجيل.

وقد حرصت دار الإفتاء على تقليل هذه الفجوة من خلال الحضور الرقمي الفاعل، وإطلاق منصَّات تفاعليَّة، ومنصَّات التواصل الاجتماعي المختلفة وبرامج موجَّهة للشباب، إلى جانب إنشاء وحدة حوار لمناقشة الشبهات الفكرية بهدوء ومنهجية، وإطلاق عدد من الإصدارات الخاصة بالشباب مثل فتاوى الشباب وغيرها.

  • تتعرض الدار أحيانًا للهجوم بسبب بعض الفتاوى.. فما السبب؟

دار الإفتاء المصرية تتبع مَنهجيَّة علميَّة رصينة ومُنضبطة، وبعض الهجوم يرجع إلى سوء الفهم أو اجتزاء التصريحات، خاصة في عصر تنتشر فيه المقاطع القصيرة والعناوين المثيرة التي قد تُخرِج الكلام عن سياقه العلمي.

وأحيانًا يكون السبب أن الفتوى لا توافق توجُّهًا فكريًّا أو موقفًا مُسبقًا لدى بعض الأطراف، فيُنظر إليها من زاوية أيديولوجية وليس علمية.

كما لا يمكن إغفال أن هناك من يتعمَّد توظيف الفتوى في سياقات سياسية أو إعلامية، أو يسعى إلى التشكيك في المؤسسات الدينية الوطنية، وهو ما يجعل أي رأي صادر عنها محلَّ استهدافٍ من بعض الجهات.

الدكتور نظير عياد مفتي الجمهورية مع محرر القاهرة 24
الدكتور نظير عياد مفتي الجمهورية مع محرر القاهرة 24
  • ما تعليقكم على الفتاوى التريند؟.. وكيف تواجهونها؟

ما يُسمى بـالفتاوى التريند هو في حقيقته نتاج لطبيعة العصر الرقمي، حيث تتحول بعض المسائل أحيانًا لأسباب إعلامية أو اجتماعية إلى موضوعات رائجة تتداولها المنصات بسرعة كبيرة المشكلة ليست في كثرة التداول، بل في أن بعض هذه الفتاوى يُطرَح خارج سياقه، أو يُصاغ بصورةٍ مثيرةٍ لجذب الانتباه، فيتحوَّل الحكم الشرعي إلى مادة للجدل أو السخرية.

ونحن في دار الإفتاء لا نتعامل مع «التريند» بوصفه معيارًا للحق أو الباطل، ولا نَنجَرُّ إلى إصدار فتاوى لمجرد مواكبة الضجيج، بل نعتمد على الرصد الدقيق لما يُتداول عبر المرصد الإعلامي للدار، وتحليل الاتجاهات من خلال المؤشر العالمي للفتوى، ثم ننظر في المسألة بعين علمية هادئة، فنُصدر البيان حين يكون البيان ضرورةً، وبالقدر الذي يوضح الحكم دون تضخيم أو تهويل.

  • ماذا قدمت دار الإفتاء لأهل فلسطين وغزة؟

دار الإفتاء المصرية لم تكن يومًا صامتةً تجاه ما يمرُّ به أهل فلسطين وخاصَّة سكان قطاع غزة، بل اتخذت موقفًا واضحًا متعدد الأبعاد قائمًا على البيان الشرعي والدعوة الإنسانية والدعم المعنوي للقضية الفلسطينية، انطلاقًا من مسؤوليتها تجاه قضايا الأمة العادلة.

وقد أصدرت دار الإفتاء منذ اليوم الأول مجموعةً من الفتاوى التي تؤكد واجب المسلمين نحو الشعب الفلسطيني الصابر في غزة والضفَّة، وتُبيِّن أن ثباتَهم على أرضهم وصمودَهم في مواجهة محاولات التهجير والظلم هو من صور الجهاد في سبيل الله، ويثاب عليه الإنسان عظيمَ الثواب، كما أصدرت العديد من البيانات التي أدانت محاولات نقلهم بالقوة أو تهجيرهم من أرضهم باعتبارها جريمة ظلم محقَّقة في الشريعة والقانون الإنساني.

كما أطلقت الدار صفحة إلكترونية متخصصة بالقضية الفلسطينية ضمن بوابتها الرسمية، تحمل في مضامينها الفتاوى المتعلقة بالقضية، وتجميع الأدلة، والإرشاد حول الأحكام المتعلقة بفلسطين، وذلك في إطار دعم الوعي حول حق الشعب الفلسطيني وثوابته التاريخية والشرعية، مستفيدةً من التطور التقني ومنبرها الرقمي لنشر الرسالة إلى جمهور واسع.

إلى جانب ذلك، أدانت دار الإفتاء بأشد العبارات العدوان الإسرائيلي على غزة الذي أدى إلى سقوط عدد كبير من المدنيين الأبرياء، وشدَّدت على أن استهداف المدنيين وتدمير المرافق هو انتهاك صارخ للقانون الدولي وللأخلاق الإنسانية، ودعت المجتمع الدولي إلى التحرك العاجل لوقف تلك الاعتداءات، مؤكدًا أن الحل العادل للقضية الفلسطينية هو إقامة دولة مستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

كما عبَّرت في كثير من المحافل الدولية التي شاركت فيها عن موقفها الداعم للقضية الفلسطينية وإدانتها لكافة الممارسات التي يقوم بها الكيان الإسرائيلي المحتل تجاه أهلنا في غزة وفي فلسطين، وكذلك تأييدها الكامل والتام للرؤية المصرية بشأن إعادة إعمار غزة، مؤكدة أن جهود الإعمار يجب أن تراعي حق الشعب الفلسطيني في البقاء على أرضه دون تهجير أو مساومة على حقوقه المشروعة، ومدَّدت الدعوة للمجتمع الدولي لتكثيف الدعم الإنساني والفوري لسكان القطاع.

  • ما رأيكم في قانون تنظيم الفتوى وإلى أين وصل حاليًّا؟

قانون تنظيم إصدار الفتوى الشرعية الذي أقرَّه مجلس النواب المصري هو بمثابة خطوة مهمَّة في ضبط المشهد الفقهي وتنظيم عمل الإفتاء في مصر، حيث وضع إطارًا قانونيًّا واضحًا للجهات المختصة بإصدار الفتاوى، وحدد مَن يمكنه إصدار الفتوى الشرعية العامة مثل هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، ومجمع البحوث الإسلامية، ودار الإفتاء المصرية، ومَن يمكنه إصدار الفتوى الشرعية الخاصة وذلك يشمل أيضًا مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية واللجان المشتركة من أئمة وزارة الأوقاف المرخَّصين كما نص القانون على الضوابط والشروط المهنية للمفتين، ووجوب التزام المؤسسات الإعلامية عند نشر الفتاوى بأن تكون صادرة عن الجهات الرسمية.

ومن أهمية هذا التنظيم أنه يهدف إلى ترسيخ المرجعية الدينية الرسمية، وضمان جودة الفتاوى ومطابقتها لأحكام الشريعة، والتقليل من الفوضى التي شهدتها الساحة الفقهية في السابق، سواء على المنابر أو في الفضاء الرقمي، بعد أن تسبَّبت الفتاوى غير المنضبطة في ارتباك لدى الجمهور أحيانًا.

  • هل يمكن أن نرى مُفتيًا روبوتيًّا في المستقبل؟

كما أكدنا مرارًا وتكرارًا، فإن الفتوى ليست مجرد استرجاع معلومات أو تجميع نصوص من كتب الفقه، بل هي عملية مركَّبة تجمع بين فهم النصوص الشرعية، وإدراك الواقع، واستحضار المقاصد، والنظر في المآلات، وتحمُّل المسؤولية الأخلاقية والشرعية عن هذه الفتوى. 

وهذه الجوانب تتطلب عقلًا إنسانيًّا واعيًا، وخِبرةً فقهية متراكمة، وحِسًّا وضميرًا أخلاقيًّا، وكل هذا لا يتوفر في الروبوت أو الذكاء الاصطناعي فالمفتي مؤتمَن على بيان الحكم، وهذه الأمانة لا تُسنَد إلى آلةٍ مهما بلغت من التطور.

  • ما رسالتكم للجاليات الإسلامية في أوروبا وفي الخارج عمومًا؟

أقول للجاليات الإسلامية في أوروبا وفي الخارج عمومًا: "أنتم سفراء لدينكم وأوطانكم، وصورتكم في سلوككم اليومي هي أبلغ من آلاف الكلمات. حافظوا على هويتكم الدينية باعتزاز ووعي، وفي الوقت ذاته اندمجوا اندماجًا إيجابيًّا في مجتمعاتكم، وكونوا عنصرَ بِناءٍ وإسهامٍ، وليس عزلة عن المجتمع والناس.

كما أدعوهم إلى أن يكونوا قدوة في أخلاقهم ومعاملاتهم، وأن يسعوا إلى تقديم الإسلام في صورته الحقيقية دينًا يحترم الإنسان، ويصون الكرامة، ويدعو إلى الخير العام.

  • كيف تتابعون فضيلتكم أوضاع الأقليات الإسلامية في العالم؟

نحن نتابع أوضاع المسلمين في كل مكان  بقدرٍ كبيرٍ من الاهتمام والقلق الإنساني فمعاناة أي أقلية دينية أو عرقية، أيا كانت ديانتها، هي قضية ضمير إنساني قبل أن تكون قضية سياسية فالإسلام يعلمنا أن نصرة المظلوم، والدعوة إلى رفع المعاناة، واجب أخلاقي لا يرتبط بجغرافيا معينة.

تابع مواقعنا