الأحد 03 مايو 2026
More forecasts: Wetter 4 wochen
رئيس التحرير
محمود المملوك
أخبار
حوادث
رياضة
فن
سياسة
اقتصاد
محافظات
محافظات

الطب مهنة أخلاقية أم عمولة جانبية؟

الأحد 22/فبراير/2026 - 11:53 م

من حين لآخر، يتداول بعض روّاد وصفحات وسائل التواصل الاجتماعي منشورًا يتناول سلوكيات شاذة تُنسب إلى قلة من الأطباء، يقومون فيها بتوجيه المرضى إلى معامل تحاليل بعينها، أو مراكز أشعة محددة، أو وصف أدوية لشركات معينة، بدافع الحصول على نسب ومكاسب خاصة، هذه الممارسات، رغم ندرتها، لا تمثل شرفاء المهنة ولا تعكس جوهرها الحقيقي، إلا أن خطورتها لا تكمن في انتشارها بقدر ما تكمن في أثرها العميق على الثقة، وعلى الجوهر الأخلاقي للعلاقة بين الطبيب والمريض، وهو ما يفرض التوقف أمامها بجدية ومسؤولية.

الطبيب ليس سمسارًا، ولا شريكًا صامتًا في جيب المريض، ولا يجوز أخلاقيًا أن يحوّل الثقة الممنوحة له إلى أرباح جانبية تُدار في الخفاء، قد يكون الفرق بين «تحويل مهني أمين» و«توجيه تحكمه المصلحة» شعرة رفيعة، لكنها الشعرة التي تفصل بين الأمانة المهنية وتعارض المصالح، بين الطب كرسالة والطب كتجارة مقنّعة، والطب، قبل كل شيء، علاقة أخلاقية، وأي ربح يُبنى على جهل المريض أو ضعفه ساقط في ميزان الكرامة، حتى لو بدا مكسبًا في ميزان الحسابات، ومن هذا المنظور، فإن هذه الممارسات ساقطة أخلاقيًا قبل أن تُناقش شرعًا أو فقهيًا؛ فالأخلاق تسبق النص، والمعنى يسبق الحكم.

إذا لم يكن المريض في حاجة حقيقية إلى تلك التحاليل أو الفحوصات، فالأمر لا يخرج عن كونه نصبًا صريحًا، وخيانةً سافرة لضعف الإنسان حين يضع جسده وألمه بين يدي طبيبه، أمّا إذا كان المريض محتاجًا إليها فعلًا، وكان المكان المُحال إليه معروفًا بالدقة والكفاءة، فإن ذلك لا يُبيح للطبيب – أخلاقيًا ولا مهنيًا – أن يتقاضى عمولة أو منفعة، سواء كانت معلومة ومعلنة، أو مدسوسة ومموّهة، فالطبيب، من حيث هو موضع ثقة، مُطالب بسدّ الذرائع قبل الوقوع في الشبهة، وبالتحرّر من أي مصلحة قد تُشوّه صفاء قراره، أو تجور على حق باقي المراكز والمعامل والصيدليات في منافسة عادلة، وتُفرغ رسالته من معناها الإنساني النبيل.

وتساءلت: هل هذه الممارسات الشاذة حِكرٌ على مجتمع بعينه؟ لكن البحث قادني إلى عكس ذلك؛ إذ وجدت أنها ظهرت بأشكال مختلفة في دول أخرى، غير أن الفارق الجوهري كان في طريقة الاعتراف بالمشكلة والتصدي لها، ففي بريطانيا، على سبيل المثال، جرى التعامل مبكرًا مع ظاهرة Self-referral (الإحالة الذاتية)، وهي قيام الطبيب بتحويل المريض إلى جهة طبية (معمل تحاليل، مركز أشعة، مستشفى، أو خدمة علاجية) يكون للطبيب نفسه فيها مصلحة مالية مباشرة أو غير مباشرة، سواء بالملكية أو الشراكة أو العمولة، وقد تم ذلك عبر قواعد صارمة أقرتها General Medical Council المجلس الطبي العام البريطاني، وهو الجهة التنظيمية العليا لمهنة الطب في المملكة المتحدة، حيث تُلزم هذه القواعد بالإفصاح الكامل عن أي مصلحة مالية، وتعدّ غياب الشفافية خرقًا جسيمًا قد يصل إلى سحب الترخيص، كما صُمِّمت منظومة NHS الخدمة الصحية الوطنية البريطانية على أسس تهدف إلى حماية القرار الطبي من التأثيرات المالية قدر الإمكان، عبر فصل مصلحة الطبيب المادية عن قراره العلاجي، ووضع مسارات إحالة واضحة قائمة على بروتوكولات معتمدة ومراجعات دورية، بما يضمن أن تظل الإحالة الطبية مبنية على الحاجة الصحية وحدها، لا على اعتبارات ربحية أو مصالح شخصية.

وفي الولايات المتحدة، حيث يتشابك الطب مع السوق، جاء الرد تشريعيًا وأخلاقيًا معًا عبر قوانين تُجرّم الإحالات ذات المنفعة الخفية، ومواثيق مهنية تبنتها American Medical Association تؤكد أن أي مكسب غير مُفصح عنه يهدم الثقة، ولو بدا قانونيًا في شكله، والخلاصة أن السؤال ليس: هل تحدث هذه الممارسات في أماكن أخرى؟ بل: هل نملك الشجاعة المؤسسية للاعتراف بها، ووضع حدود واضحة تحمي الطبيب الشريف قبل أن تعاقب المخطئ؟ فالطب لا ينهار بكثرة الأخطاء، بل بانهيار الثقة.

أمّا من الناحية الدينية والشرعية، فقد بحثت، وبعد الرجوع إلى الدراسة العلمية المعنونة «الأمانة المهنية للطبيب في تحويل المرضى إلى مراكز الخدمات الطبية المساعدة من منظور شرعي» للدكتورة أسماء صالح، المنشورة في مجلة كلية الشريعة والقانون بأسيوط عام 2024، وما استقر عليه قول الفقهاء المعاصرين وقرارات مجمع الفقه الإسلامي الدولي، يتضح أن توجيه الطبيب للمريض إلى جهة بعينها مقابل منفعة مالية خفية يدخل صراحة في باب خيانة الأمانة وأكل أموال الناس بالباطل. فذلك يقوم على استغلال ثقة المريض وجهله، وإقحام المصلحة الشخصية في قرارٍ يُفترض أن يكون خالصًا للمصلحة العلاجية، وكل تصرف بُني على الغرر أو الغش أو الكتمان المؤثر في القرار هو تصرف محرّم شرعًا، ولو استقام شكله القانوني، والطبيب هنا ليس تاجرًا ولا وسيطًا، بل مؤتمن، والأجير المؤتمن لا يجوز له شرعًا أن ينتفع سرًا بما وُكِل إليه؛ فإن فعل، سقط فعله في ميزان الشرع قبل أن يُناقش في ميزان القانون.

إن انتشار هذه السلوكيات الشاذة لا يدمّر الثقة بين الطبيب والمريض فحسب، بل يضرب في صميم الطب الحديث القائم على العمل الجماعي والتكامل بين التخصصات (MDT – Multi-Disciplinary Team Approach)، فالطبيب الذي يعمل بضمير ويحتاج إلى فريق حقيقي متعدد التخصصات يدفع الثمن مرتين: مرة لأنه اختار الاستقامة، ومرة لأن المريض الذي لُدغ سابقًا يفقد ثقته في الجميع، وعندها، حين أطلب تحويل المريض إلى طبيب أورام بعينه لأنه الأعلم بحالته، أو إلى طبيب أشعة، أو إلى اختصاصي باثولوجي، لا يراها المريض إحالة علاجية ضرورية، بل يظن أنها صفقة خفية وراءها مصلحة خاصة، لا ضرورة طبية.

هكذا تتحول منظومة التعاون، التي يُفترض أن تكون مصدر قوة للطب الحديث، إلى دائرة شك خانقة، ويُحاسَب الطبيب الأمين على ذنب لم يرتكبه، فقط لأن غيره خان المعنى وأسقط القداسة الأخلاقية لمهنة لا تقوم إلا على الثقة، وعندما تنهار هذه الثقة، لا يخسر الطبيب الشريف وحده، بل يخسر الطب بأسره، ويخسر المريض قبل الجميع.

تابع مواقعنا