أزمة خور عبدالله.. نزاع حدودي قديم يتجدد بين العراق والكويت| ما القصة؟
شهدت الساعات الماضية توترات عربية عربية ما بين الكويت والعراق، فيما يتعلق بأزمة الحدود الفاصلة بين البلدين، بعدما أقدم العراق على إيداع خريطة محدثة لدى الأمم المتحدة، قالت الكويت إنها تمس سيادتها على مناطق بحرية ومرتفعات بمنطقة خور عبد الله.
وعقب التحرك العراقي الأخير، استدعت الكويت القائم بأعمال السفارة العراقية لتسليمه مذكرة احتجاج رسمية على ما اعتبرته الكويت مساسًا بسيادتها على مناطقها البحرية والمرتفعات المائية التابعة لها، في قائمة إحداثيات وخارطة أودعها العراق لدى الأمم المتحدة، الأمر الذي نفته بغداد.
واستدعى هذا ردًا عراقيًا حسب وزارة الخارجية العراقية، قالت فيه إن إيداع خريطة المجالات البحرية لدى الأمم المتحدة، استند إلى قرارات بحقوق العراق واختصاصاته في المناطق البحرية، وأن تحديد مجالاته البحرية يُعد شأنًا سياديًا، ولا يحق لأي دولة التدخل فيه.
بداية النزاع بين العراق والكويت
وهو ما أثار دخانًا لخلاف قديم يتجدد بين البلدين العربيين إذ تعود الأزمة بين البلدين إلى عقود ماضية، بداية من 1932 بعدما حددت بغداد الحدود مع الكويت، وأقرتها رسميًا في 1963 دون حسم مصير المنطقة المشار إليها محل النزاع المعروفة باسم خور عبدالله، إلا أنه بعد غزو العراق للكويت العام 1992 صدر قرار أممي بتشكيل لجنة لترسيم الحدود بين البلدين توصلت في العام التالي إلى جعل خور عبد الله منطقة حدودية مشتركة تتطلب تنظيما مشتركا للملاحة.
وفي عام 2012 أبرم الطرفان اتفاقية تحمل اسم المنطقة خور عبدالله، لضمان مصالح البلدين، إلا أن الاتفاقية تسببت في توجيه اتهامات داخلية لرئيس الوزراء العراقي في ذلك الوقت نوري المالكي، تضمن تهمًا بالتنازل عن جزء من خور عبد الله لصالح الكويت.
ونصت الاتفاقية المبرمة حينها على تنظيم حركة السفن في المنطقة عبر لجنة مشتركة، وإدارة مشتركة بين الطرفين، وتنظيم حركة المرور البحرية وفقا للقوانين الدولية، دون ترسيم للحدود.
إلا أن دخان النزاع تصاعد بكثافة ما بين عامي 2010 و2011، بعدما أعلن العراق وضع حجر الأساس لميناء الفاو الكبير، فيما وضعت الكويت حجر الأساس لميناء مبارك الكبير، بذات المنطقة.
ليعمل العراق على تقديم شكوى أمام مجلس الأمن الدولي ضد الكويت خلال عام 2019، وجهت خلالها اتهامات لجارتها الكويت بإحداث تغييرات جغرافية في المنطقة الواقعة بعد العلامة 162 (أخر نقطة حدودية تم توثيقها بين البلدين قبل الغزو عام 1992) عبر تدعيم منطقة فشت العيج وإقامة منشأة عليها دون موافقة بغداد، لترد الكويت بأن الشكوى باطلة وأن المنشأة تقع ضمن مياهها الإقليمية.
وبلغت الأزمة مداها قبيل نهاية عام 2023 بعدما قررت المحكمة الاتحادية العليا العراقية عدم دستورية قانون التصديق على اتفاقية تنظيم الملاحة البحرية في خور عبدالله مع الكويت، معللة قرارها حسب وكالة الأنباء العراقية بأن عد الدستورية يعود لأخطاء إجرائية في عملية التصويت داخل البرلمان، إذ تم تمرير الاتفاقية بالأغلبية المطلقة وليس أغلبية الثلثين المعمول بها دستوريًا في العراق.
ما استدعى (حينها) استدعاء للسفير العراقي من قبل الكويت احتجاجًا على القرار، ودعت بغداد إلى اتخاذ "إجراءات ملموسة وحاسمة وعاجلة لمعالجة الأمر، فيما شددت بغداد على التزامها بالاتفاقيات الدولية وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وأهمية احترام وتنفيذ الاتفاقيات المبرمة بين البلدين وفقا للسياقات الدستورية والقانونية.
وفي إبريل من العام الماضي، تقدم الرئيس العراقي عبد اللطيف رشيد ورئيس الوزراء محمد شياع السوداني بطعنين على قرار المحكمة للتأكيد على مبدأ حسن الجوار والالتزام بالمعاهدات الدولية، لتقرر المحكمة العليا تأجيل النظر في الطعنين لأجل غير مسمى.
عودة الأزمة مرة أخرى بعد تحرك عراقي
إلا أنه قبل ساعات أعلنت الخارجية الكويتية استدعاء القائم بأعمال السفارة العراقية، لتسليمه مذكرة احتجاج على إيداع بلاده قائمة إحداثيات وخريطة لدى الأمم المتحدة تتضمن ما وصفته بادعاءات عن الحدود البحرية، واعتبرت الخريطة العراقية المسلمة بأن مساس بسيادة الكويت على مناطقها البحرية ومرتفعاتها المائية الثابتة والمستقرة بالعلاقة مع جمهورية العراق.
فيما ردت الخارجية العراقية بأن الخريطة المودعة من قبلها في فبراير الجاري لدى الأمين العام للأمم المتحدة، تتضمن تحديد خطوط الأساس المستقيمة، وخطوط الأساس المستندة إلى أدنى الجزر لقياس عرض البحر الإقليمي، وتحديد حدود البحر الإقليمي، والمنطقة المتاخمة، والمنطقة الاقتصادية الخالصة، والجرف القاري للعراق.
وأن الخريطة المودعة تحل محل سابقتها، ضمن تحديث البيانات البحرية العراقية، وأن تحديد مجالاتها البحرية وفق أحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار يُعد شأنا سياديا، ولا يحق لأي دولة التدخل فيه.
وهو ما تبعه تأييد خليجي من قبل كل من المملكة العربية السعودية، ودولة قطر، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وسلطنة عمان، ومملكة البحرين، لجارتهم الكويت داعيين إلى عدم المساس بسيادتها.
فيما دعت مصر إلى ضرورة تغليب لغة العقل والحكمة بين البلدين الشقيقين، مؤكدة، حسب بيان لوزارة الخارجية، أنها تتابع باهتمام وقلق بالغين ما أثير بشأن قوائم الإحداثيات والخريطة المودعة لدى الأمم المتحدة والمتعلقة بالمناطق البحرية بين كل من الكويت والعراق، خاصة وان هذه التطورات تأتي في ظل ظروف إقليمية شديدة الدقة والحساسية وتشهد فيه المنطقة تحديات جسيمة وتصعيد غير مسبوق، مما يتطلب التأزر والتضامن وتغليب لغة الحوار للتعامل مع هذه التحديات الإقليمية.
كما شددت مصر على ضرورة احترام سيادة الكويت ووحدة وسلامة أراضيها وضمان عدم التداخل مع حدودها البحرية، وتؤكد استعدادها التام لتقديم كافة أوجه الدعم للبلدين الشقيقين لتقريب وجهات النظر والتوصل لتفاهمات متوافق عليها، وبما يتسق مع قواعد القانون الدولي ويعزز الأمن والاستقرار في المنطقة.
لتتزايد المخاوف من حدوث صدام سياسي عربي عربي حول منطقة خور عبدالله بين العراق والكويت كونها واحدة من أكثر الملفات حساسية في العلاقات بين البلدين بسبب أبعادها القانونية والسيادية والاقتصادية، بالإضافة إلى خلفيتها التاريخية المرتبطة بمرحلة ما بعد الغزو العراقي للكويت عام 1990، حيث إنه على الرغم من أنه العلاقات بين البلدين شهدت تقدّمًا ملحوظًا خلال العقدين الماضيين، إلا أن هذه الأزمة أثرت على الروابط السياسية والدبلوماسية بين بغداد والكويت.



