خالد الجندي: العدل المطلق مستحيل في الدنيا.. والمطلوب تجنب الظلم لا تحقيق الكمال
أكد الشيخ خالد الجندي، عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، أن الحديث عن العدل لا بد أن يرتبط بالواقع الذي نعيشه، موضحًا أن الله سبحانه وتعالى جعل في كل شيء في الكون ما يشبه الأثقال التي تحفظ توازنه حتى لا يضطرب، فكما أن للكرة الأرضية أثقالًا مادية تحفظ استقرارها، فإن في الاقتصاد أثقالًا تضبط حركته، وفي الحياة الزوجية أثقالًا عاطفية ونفسية، وفي تربية الأبناء أثقالًا تربوية، وفي طلب العلم أثقالًا عقلية، وكلها تقوم على فكرة التوازن والعدل.
خالد الجندي: العدل المطلق مستحيل في الدنيا.. والمطلوب تجنب الظلم لا تحقيق الكمال
وأضاف خلال حلقة برنامج "لعلهم يفقهون"، المذاع على قناة "dmc"، اليوم الخميس، أن القرآن الكريم أرسى مبدأ التوزيع العادل في قوله تعالى: «كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ۚ»، مؤكدًا أن العدل عند الله ليس خيارًا بل فرضًا، لقوله سبحانه: «إن الله يأمر بالعدل»، مشيرًا إلى أن العدل في معناه اللغوي هو التسوية، وأن كلمة “عديل” في الاستعمال الاجتماعي تعني المساوي، ما يعكس أن الأصل في العدل هو المساواة.
وأوضح أن العدل من الألفاظ التي تحمل دلالات متعددة، وأن فكرة التطابق التام بين الأشياء غير ممكنة في الواقع، فحتى لو أعطى شخص آخر كيلو من الأرز ثم استرده بعد فترة، فالوزن قد يكون متساويًا لكن التطابق الكامل في الحبات والجزيئات مستحيل، وكذلك في مسألة القصاص لا يمكن تحقيق تطابق دقيق بالمليمتر، وهو ما يدل على أن تمام العدل البشري محال.
وبيّن أن الموجود في الدنيا هو بعض العدل أو العدل النسبي، لا الكمال المطلق، مستشهدًا بقوله تعالى في شأن العدل بين الزوجات: «ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم»، موضحًا أن الإنسان مهما بلغ حرصه ودقته فلن يحقق العدل الكامل، ولذلك جاء التوجيه الإلهي: «فلا تميلوا كل الميل»، أي تجنب الظلم والميل الجائر.
وأشار إلى أن هذا المعنى ينطبق كذلك على علاقة الإنسان بأبنائه، فمع حب الوالد لجميع أولاده، إلا أن المشاعر بطبيعتها قد تختلف، مؤكدًا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك»، في إشارة إلى أن العدل المطلوب هو فيما يملكه الإنسان من أفعال وتصرفات، لا ما يخرج عن قدرته من مشاعر قلبية.
وشدد على أن الرسالة الواقعية هنا هي أن المطلوب من الإنسان ليس تحقيق الكمال المطلق في العدل، لأن ذلك غير ممكن، وإنما السعي إلى العدل الممكن وتجنب الظلم، سواء في البيت أو العمل أو العلاقات الاجتماعية، لأن العدل الكامل لله وحده، أما البشر فمكلفون ببذل أقصى ما يستطيعون دون ميل أو جور.
خالد الجندي: اختلال الموازين في المعاملات يسبب اضطراب المجتمعات
فيما، أكد الشيخ خالد الجندي، عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، أن الوقفات التأملية في قصة سيدنا شعيب عليه السلام تكشف بوضوح أن القضايا الاقتصادية كانت جزءًا أصيلًا من الرسالات الإلهية، موضحًا أن قول الله تعالى: «ولا تنقصوا المكيال والميزان» لم يكن مجرد توجيه تعبدي، بل معالجة واقعية لاختلال المعايير في البيع والشراء وتأثير ذلك على استقرار المجتمعات.
وأشار عضو المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، خلال حلقة برنامج "لعلهم يفقهون"، المذاع على قناة "dmc"، اليوم الخميس، إلى أن الفرق بين سيدنا شعيب وغيره من الأنبياء أن مشكلته مع قومه لم تكن عقدية فقط، بل كانت عقدية اقتصادية أيضًا، حيث ارتبط انحرافهم بالتلاعب في الموازين والمكاييل، وهو ما يعكس خطورة الاقتصاد حين يتدخل في بناء الأوطان وتنظيم المجتمعات وتحديد العلاقة بالله سبحانه وتعالى.
وأوضح أن الحديث عن ضبط الموازين هو في جوهره حديث عن إقامة العدل داخل المجتمع، وإعطاء كل ذي حق حقه، وضبط الأسعار، وتأثير التجار على أمن المجتمع، وتسوية الحقوق بين العباد، مؤكدًا أن أي خلل في المعايير الاقتصادية ينعكس مباشرة على الاستقرار الاجتماعي والمعيشي للناس.
وأضاف أن ما يمكن تسميته بنموذج شعيب الاقتصادي يظهر بوضوح عند الحديث عن الأمن الغذائي والاقتصادي، لأن التلاعب في الموازين والمكاييل يهدد المجتمع من الداخل، بينما يؤدي الانضباط والعدل في المعاملات إلى حفظ الاستقرار والطمأنينة بين الناس.
وبيّن أن هناك نبيين تعاملا مع الاقتصاد لإنقاذ مجتمعاتهما؛ الأول سيدنا شعيب الذي حذر قومه من الفساد الاقتصادي فلم يستجيبوا، والثاني سيدنا يوسف عليه السلام الذي نظم الإدارة الاقتصادية والاستهلاك فكانت النتيجة نجاة المجتمع وتحقيق الاكتفاء، وهو ما يدل على أن ضبط الاقتصاد جزء من سنن الإصلاح.
ولفت إلى أن الكون كله قائم على الاتزان الذي وضعه الله، مستشهدًا بحركة الشمس والقمر وتعاقب الليل والنهار، مؤكدًا أن هذا الاتزان الكوني يقابله اتزان في منظومة الرزق والمعايير الحياتية، فلا يستقيم مجتمع يختل فيه ميزان العدل أو تتلاعب فيه المعايير.
وشدد على أن قوله تعالى: «والسماء رفعها ووضع الميزان» يعني وضع قواعد الاتزان في الحياة كلها، وأن الميزان ليس مجرد أداة وزن، بل منظومة عدل تحكم المعاملات والحقوق، فإذا استقام الميزان استقرت الأسواق والمجتمعات، وإذا اختل ظهرت الأزمات، وهو ما يجعل رسالة شعيب عليه السلام حاضرة بقوة في واقعنا الاقتصادي المعاصر.


