الأربعاء 06 مايو 2026
More forecasts: Wetter 4 wochen
رئيس التحرير
محمود المملوك
أخبار
حوادث
رياضة
فن
سياسة
اقتصاد
محافظات
محافظات

البدريُّون الجدد

الثلاثاء 10/مارس/2026 - 01:32 ص

في السَّابع عشر من رمضان من كلِّ عامٍ تتذكَّر الأمَّة المسلمة غزوة بدرٍ الكبرى، الَّتي سمَّاها الله تعالى في كتابه «يوم الفرقان»، وفرَّق بها بين الكفر والإيمان.  

ولا ينبغي للأمَّة المسلمة العاقلة أن تتوقَّف عند أحداث تاريخها لتحقيق متعةٍ ذهنيَّةٍ، أو لزيادة حصيلةٍ معلوماتيَّةٍ دون أن تغوص في عمق الأحداث لتستخرج منها المضامين الكامنة، الَّتي يمكن أن تكون نورًا يهدي في ظلمات الواقع المرِّ.

ومن ثمَّ فإنَّ وقوفنا عند تفاصيل هذه المعركة ليس تقليبًا لصفحاتٍ من التَّاريخ، وإن كان تقليب التَّاريخ مهمًّا؛ فمَن لا ماضي له لا حاضر له ولا مستقبل، ولكنَّنا نتجاوز هذا التَّقليب إلى التَّأمُّل والتَّعمُّق في التَّأمُّل في تفاصيل هذه الغزوة للتَّعلُّم واستلهام الدُّروس والعظات والعبر بما يضبط حراك حياتنا.

وأقف مع مشهدٍ من مشاهد غزوة بدرٍ يحرِّك الهمَّة، وهو أنَّ الَّذين شاركوا في بدرٍ كانت لهم مكانةٌ خاصَّةٌ؛ فكثيرًا ما نقرأ في تراجم الصَّحابة أنَّ فلانًا كان بدريًّا، أي أنَّه شارك في هذه الغزوة، وورد عند البخاريِّ ومسلمٍ في صحيحهما أنَّ سيِّدنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال لعمر بن الخطَّاب رضي الله عنه: «وما يُدْرِيكَ؟ لَعَلَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ اطَّلَعَ علَى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ»، فهذه منزلة البدريِّين الَّذين لم يتجاوزوا الثَّلاثمائة إلَّا بقليلٍ، والَّذين خرجوا لملاقاة جيشٍ يقارب عدده ألفًا من المجهَّزين: استعدادًا وعدَّة وعددًا.

وما أحرى الأمَّة الآن إلى أن يكون منها ومن أبنائها «بدريُّون جددٌ»، يفهمون عن الله، ويفقهون عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.

«البدريُّون الجدد» يفهمون الغاية من الحياة وما يدور فيها، ويعرفون أنَّ غايتهم لا ينبغي أن تقف عند لعاعةٍ من الدُّنيا، وأنَّهم ينبغي أن يطلبوا أشراف الأمور؛ فلقد خرجت جماعة بدرٍ لطلب العير وما فيها من أموالٍ عوضًا عن بعض ما خلَّفوه في مكَّة، فأراد الله أن يُحقَّ الحقَّ بهم، فهم أرادوا العير، وأراد الله النَّفير، قال الله تعالى: «وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ».

وكأنَّ الله تعالى يعلِّم الأمَّة المسلمة أن ترفع همَّتها، وأن تتجاوز حاجاتها القريبة إلى حاجاتٍ أهمَّ، وألَّا تجعل نظرها تحت أقدامها، ويحثُّها على أن تطلب بسعيها ما هو أكبر وأعظم، ولم لا وقد قال سيِّدنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إنَّ اللهَ تعالى يُحِبُّ مَعاليَ الأُمورِ، وأَشرافَها، ويَكرَهُ سَفْسافَها»؟!

يرضى الله للأمَّة ويحبُّ لها كما جعلها خير أمَّة أن تطلب خير الأمور وأشرفها: سياسةً واقتصادًا واجتماعًا وتربيةً وتعليمًا، ويكره للأمَّة أن تنشغل بالتَّوافه، وأن تُسرق أعمارها في الصَّغائر، وأن تُصرف عن رسالتها.

وكأنَّ الله الكريم بما حوَّل به جماعة بدرٍ من العير إلى النَّفير أراد أن يبصِّر الأمَّة الإسلاميَّة بحقيقة المعركة؛ فإنَّ معارك أعدائنا معنا، مهما تعلَّقت بشيءٍ صغيرٍ من الدُّنيا، ومهما تلوَّنت بألوان الحياة فإنَّها معركة دينٍ وهويَّةٍ ووجودٍ، فعدوُّنا لا يكفيه أن يسرق مقدَّراتنا، ولا أن يغتصب أرضنا، وإنَّما يريد أن ننسى ديننا وأن تذوب هويَّتنا وأن تسرق منَّا أوطاننا فنبقى بلا ملامح، ونعيش بلا هويَّةٍ ونحيا بلا وطنٍ عالةً على غيرنا في العقائد والقيم والأخلاق والتَّاريخ.

«البدريُّون الجدد» يفهمون أنَّ النَّصر من عند الله، وأنَّ الإنسان مهما ملك من أسباب الدُّنيا فإنَّ الله غالبٌ على أمره، قال الله تعالى: «وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ».

لقد ختم الله الكريم هذه الآية باسمين جليلين عظيمين من أسمائه سبحانه وتعالى، لتفهم الأمَّة أنَّ الله عزيزٌ لا يُغلب مهما كانت الأسباب، وأنَّه سبحانه وتعالى حكيمٌ فيما شرعه من قتال أعداء دينه مع القدرة على دمارهم وإهلاكهم بحوله وقوته دون قتالٍ أو حربٍ.

وإذا كان النَّصر من عند الله دون أحدٍ سواه فإنَّ الوا جب على المؤمنين أن يعتمدوا عليه وحده، ويفوِّضوا أمورهم إليه وحده، ومهما رأى الإنسان من أسباب الدُّنيا فسيظلُّ ربُّ الأسباب هو الفاعل على الحقيقة، قال الله تعالى: «فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ».

ومع تأكيد أنَّ النَّصر إنَّما هو من عند الله وحده، وليس من الملائكة أو غيرهم، فإنَّ الواجب على الأمَّة أن تأخذ بالأسباب، لكن دون أن يغترُّوا بها، وأن يكون اعتمادهم على خالق الأسباب حتَّى يمدَّهم الله بنصره وتوفيقه.

ومن سنَّة الله السَّارية في كونه أنَّه يعطي دائمًا الفرصة للجهد البشريِّ والأخذ بالأسباب في صنع القرار، وهذا أمرٌ ملحوظٌ في قصص السَّابقين؛ فهذا سيِّدنا موسى عليه السَّلام يخرج بمن آمن معه من بني إسرائيل ويمشي بهم حتَّى يصل إلى شاطئ البحر، وهنالك يوشك فرعون وجنده أن يدركهم، حتَّى قال قوم موسى من شدَّة قرب فرعون منهم: «إنَّا لمدركون» فأمر الله موسى عليه السَّلام أن «اضرب بعصاك البحر»، وهل يُتصوَّر أن يكون ضرب البحر بالعصا سبب نجاةٍ؟ ولكن لمَّا استجاب موسى عليه السًّلام وباشر الأسباب الَّتي أمر الله بها مع حسن توكُّلٍ على الله كانت النَّجاة!

ولو شاء الله لغيَّر طبيعة البحر دون ضربةٍ من عصا موسى عليه السَّلام.

وكذلك يقول لمريم عليها السَّلام عند مخاضها: «وهزِّي إليك بجذع النَّخلة»؛ وكان الله جلَّ جلاله قادرًا على أن يطعم هذه المسكينة الَّتي تعاني آلام المخاض وضعف الولادة، وتعيش ظروفًا نفسيَّةً عظيمةً، لكن حكمة الله تعالى اقتضت أن يعطي الفرصة للجهد البشريِّ.

ففي غزوة بدرٍ كان الله قادرًا على أن ينصر نبيَّه محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم، وأن ينصر المسلمين دون حربٍ، ولكن حكمة الله أوجبت هذا التَّدافع والصِّراع بين الخير والشَّرِّ، ثمَّ يأتي النَّصر من عند الله لأوليائه.

ولكن من الواجب كذلك أن تفهم الأمَّة المسلمة أنَّ النَّصر لا يُمنح للكسالى ولا يعطى للقاعدين؛ وأنَّ الأمَّة لا تُنصر بالأوراد والصَّلوات فحسب ولكن بمباشرة الأسباب، وبامتلاك الدُّنيا وما فيها، والإسهام بنصيبٍ في كلِّ مجالاتها.

«البدريُّون الجدد» يفهمون أنَّ الحرب في الإسلام حربٌ رحيمةٌ، وحربٌ حكيمةٌ، وليس كما يتصوَّرها البعض، وليس كما يفعل المنهزمون المخذولون الَّذين يفرُّون من التُّراث، ويرون أنَّ الغزوات والمعارك كانت غايتها الاعتداء، وحاشا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهو الَّذي أرسله ربُّه رحمةً للعالمين، حاشاه أن يكون قسوةً أو يكون سبب عذابٍ.

ومن تأمَّل غزوة بدرٍ أيقن أن هذه المعارك تقيم الحجَّة على واقعنا، ففي الوقت الَّذي تحتاج فيه الجماعة المؤمنة إلى زيادة عددها يردُّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حذيفة بن اليمان فلا يشهد معه المعركة وفاءً بعهده مع المشركين، وهم الَّذين يحاربون الأمَّة؛ ففي صحيح مسلمٍ، عن حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ◙ قَالَ: مَا مَنَعَنِي أَنْ أَشْهَدَ بَدْرًا إِلَّا أَنِّي خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي حُسَيْلٌ، قَالَ: فَأَخَذَنَا كُفَّارُ قُرَيْشٍ، فَقَالُوا: إِنَّكُمْ تُرِيدُونَ مُحَمَّدًا؟ فَقُلْنَا: مَا نُرِيدُهُ، وَمَا نُرِيدُهُ إِلَّا الْمَدِينَةَ، فَأَخَذُوا مِنَّا عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ لَنَنْصَـرِفَنَّ إِلَى الْمَدِينَةِ وَلَا نُقَاتِلُ مَعَهُ، فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَأَخْبَرْنَاهُ الْخَبَرَ فَقَالَ: «انْصَرِفَا، نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَنَسْتَعِينُ اللَّهَ عَلَيْهِم».

فأين هذه الأخلاق في دنيا المعارك؟!

وأين هذه القيم في واقعنا الَّذي يتغنَّى بالحرِّيَّات والحقوق؟!

وأين هذه الآداب في العالم الَّذي ينادي بالعهود والمواثيق؟!

إنَّ حروب اليوم حروبٌ حمقاء، لا تدَّخر من أسلحتها الثَّقيلة شيئًا، ولا تشعر بوخزٍ من ضميرٍ حين تقتل طفلًا صغيرًا، أو شيخًا ضعيفًا، أو امرأةً عجوزًا، أو تجهز على مرضى أنهك أبدانهم المرض، ثمَّ تتغنَّى مجتمعاتٌ ومنظَّماتٌ بالتَّحضُّر والمدنيَّة! 

«البدريُّون الجدد» هم الَّذين يلتفُّون حول قائدهم، كما التفَّ أهل بدرٍ حول القائد الأعظم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فلم يبخلوا لا بأنفسهم ولا بأموالهم.
ولم لا وهو الَّذي افترش الأرض معهم، والتحف السَّماء، وتحمَّل معهم ظروف الحياة، ولم يتميَّز عليهم في شيءٍ.

وما أشبه اللَّيلة بالبارحة!

إنَّنا نحتاج إلى «بدريِّين جددٍ» يدركون أنَّ المعركة معركة دينٍ وعقيدةٍ وهويَّةٍ ووجودٍ ووطنٍ، نحتاج إلى «بدريِّين جددٍ» يسعون في الأخذ بالأسباب مع يقينهم أنَّ الله غالبٌ على أمره، وأنَّ الله ينصر من ينصره، إلى «بدريِّين جددٍ» يؤمنون بالله وبواجبهم تجاه الأمَّة وتجاه أوطانهم، ويلتفُّون حول قائدهم، ويحرصون على وحدة صفِّهم ورفعة رايتهم، نحتاج إلى «بدريِّين جددٍ» يعملون، ويخطِّطون، ولا يبخلون على أمَّتهم ولا على أوطانهم بشيءٍ.

نسأل الله تعالى أن ينصر أمَّتنا وأوطاننا بنا، وأن يوفِّق قادتنا إلى ما فيه خير البلاد والعباد.

تابع مواقعنا