نضال الفكة
خمس سنوات تقريبا هي المدة التي لم أستقل فيها مترو الأنفاق، لم يكن ذلك قرارًا متعمدًا أو عزوفًا عن وسيلة مواصلات هي الأكثر إقبالًا وأهمية في مصر؛ كونها أسرع وسيلة للتنقل، وربما الوسيلة الوحيدة التي يشعر فيها جميع المواطنون بالمساواة، ففي المترو لا توجد درجة أولى أو ثانية، ولا خطوط مخصصة لفئة دون أخرى، بل الكل في الأنفاق على قدم المساواة، تتشابك حكاياتهم اليومية في نفق واحد، وتختلط الضحكات بالهموم، والأحاديث العابرة بالحكايات الطويلة بين الأصدقاء.
وفي السابع من نوفمبر الماضي، تلقيت دعوة لحضور افتتاح محل مجوهرات في منطقة الدقي، وبما أنني لا أجيد معرفة الأماكن أو طرق الوصول إليها، قررت الذهاب بالمترو، ولا أخفيكم سرًا فقد وجدت في رحلتي الذهاب والإياب مشكلة في "الفكة" أمام شباك التذاكر، لكنني لم أنزعج، ربما لأنني من الذين يبيتون الليلة والليلتين منتظرًا آخر مليم للحصول على المبلغ المتبقي كاملًا، فأنا من الذين أمنوا بالمثل الشعبي: "القرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود"، ومع تزايد الغلاء، ربما يأتي يوما يكون لمليماتي قيمة.
لم أعر هذا المشهد أي اهتمام، رغم أنه بد واضحًا لكل من سولت له نفسه أن يستقل المترو، بل استوقفني ذلك الجدل الواسع الذي فجره تصريح حول "أزمة الفكة" في ديسمبر الماضي، فجأة أصبح نصف الشعب يبحث عن فكة لحل أزمة المترو، أما أنا لا أعرف لماذا وجدتني أقف أمام شباك تذاكر المترو مرة أخرى لكن هذه المرة بخيالي فقط، أحاول أن أعرف أين المشكلة الحقيقية؟ هل بسبب تلك "الحصالات" التي يضعها الآباء لأطفالهم، فتتسرب إليها الفكة في نهاية كل يوم، أم أن المصريين لا يقوون على حمل الفكة، وقفت هذه المرة أمام شباك التذاكر أطول بكثير مما وقفت منتظرًا لمليماتي، محاولًا أن أجد إجابة لسؤال بسيط: ماذا يمكن أن أقدمه أنا كمواطن لحل هذه الأزمة؟ بالطبع، الإجابة كانت واضحة وساخرة في آن واحد: لا شيء، سوى المشاركة في ذلك الجدل واللغط الذي أحدثه التصريح.
وبعد أن أهدرت وقتي أمام شباك التذاكر، أدركت أن مجرد محاولتي للتفكير في الأمر ومن ثم انخراطي في هذا اللغط هو تبرع مجاني بصحتي النفسية، فبينما العالم من حولنا يتحدث عن رحلات المريخ، وقفت أنا وموظف التذاكر كلانا يناضل يحاول أن يقنع الأخر أنه لا يملك فكة، ونسينا أن هناك اختراع بدائي اسمه "كارت المواصلات"، مستخدم منذ أمد بعيد في مصر، لكن يبدو أن مسؤولي المترو يجهلون سحره، فرغم كونه قطعة بلاستيكية صغيرة، لكن به تقنية كفيلة بأن توفر علينا مشهد "الردح الجماعي" والذي يحدث يوميًا تحت الأرض على بضعة مليمات، وتعفينا من التفكير في الأمر وكأننا ما زلنا نعيش في العصر الحجري، وتوفر علينا الوقت والجهد بدلًا من إهدارهما في رحلة البحث عن "الفكة".


