السبت 02 مايو 2026
More forecasts: Wetter 4 wochen
رئيس التحرير
محمود المملوك
أخبار
حوادث
رياضة
فن
سياسة
اقتصاد
محافظات
محافظات

ترامب.. الأخرق الذي يصنع نهاية أمريكا

الثلاثاء 17/مارس/2026 - 09:34 م

لم يكن اندفاع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نحو الحرب مع إيران نتاج رؤية استراتيجية متماسكة، بقدر ما كان انعكاسًا مباشرًا لنزعة غرور سياسي دفعت به إلى مغامرة مفتوحة بلا حسابات دقيقة، لا لكيفية إدارة الصراع، ولا لسيناريوهات الخروج منه، إذ لا يعرف الرجل أن الحروب لا تخاض بالشعارات ولا تدار بردود الأفعال، بل بعقيدة استراتيجية واضحة، وهو ما بدا غائبًا عنه منذ اللحظة الأولى.

ترامب.. الأخرق الذي يصنع نهاية أمريكا

الأكثر دلالة على ذلك أن هذا الاندفاع لم يحظَ بإجماع حلفاء واشنطن التقليديين، إذ سارعت قوى كبرى داخل حلف شمال الأطلسي "الناتو" إلى إعلان موقفها الرافض للمشاركة في حرب ترامب – نتنياهو ضد إيران، بل ورفضت الانخراط حتى في عمليات حساسة كفتح مضيق هرمز.

رسالة الحلفاء كانت حاسمة ومباشرة "هذه ليست حربنا"، وهو ما يعكس تصدعًا غير مسبوق في بنية التحالف الغربي، ويضع واشنطن في عزلة سياسية متنامية.

أمام كل ذلك يجد ترامب نفسه اليوم في وضع مغاير تمامًا لما خطط له، رئيس يقف شبه منفرد إلى جانب نتنياهو، بعد أن راهن على قوة الهيمنة الشخصية والفردية وتجاهل قواعد النظام الدولي وإهانة مؤسساته، والمفارقة أن الرجل الذي سعى لتقويض القانون الدولي وإضعاف المؤسسات الدولية، يكتشف الآن أن غياب هذه المنظومة يحرمه من الغطاء السياسي الذي كان يحتاجه في لحظة المواجهة.

أما في الداخل الأمريكي، فالصورة أكثر تعقيدًا واضطرابًا، الانقسام لم يعد سياسيًا تقليديًا بين حزبين، بل تحول إلى انقسام مؤسسي ممتد، استقالة مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب ليست مجرد حدث إداري، بل مؤشر على تصدعات عميقة داخل منظومة الأمن القومي الأمريكي، كما يتعرض البيت الأبيض لضغوط متزايدة من الكونجرس، من الديمقراطيين وبعض الجمهوريين، خاصة مجموعة الثمانية الكبار داخل الكونجرس، أولئك الذين شعروا بأنهم دُفعوا نحو تأييد الحرب بناءً على تقديرات مضللة قُدمت لهم في إحاطات مغلقة.

اقتصاديًا، بدأت كلفة الحرب تظهر سريعًا داخل الولايات المتحدة نفسها، فلم تكن الولايات المتحدة بعيدة عن تأثير الصراع التي كانت سببًا مباشرًا فيه، ارتفاع أسعار الوقود إلى مستويات قياسية، واضطراب سلاسل الإمداد، وزيادة تكاليف النقل والتصنيع، كلها عوامل انعكست مباشرة على المواطن الأمريكي، الذي وجد نفسه يدفع ثمن مغامرة سياسية لم يكن طرفًا في قرارها، ومع كل ارتفاع في الأسعار، تتآكل شعبية ترامب، ويتراجع رصيده السياسي في الداخل.

التاريخ يقدم دروسًا لا تخطئها العين، القوى العظمى لا تسقط فجأة، بل تستنزف تدريجيًا في صراعات ممتدة تتجاوز قدرتها على التحمل، تمامًا كما حدث مع الاتحاد السوفييتي الذي لم ينهزم ويتفكك بين ليلة وضحاها، بل دخل في دوامة استنزاف طويلة، بدأت من الحرب الباردة إلى انخراطه في حرب داخل المستنقع الأفغاني، حتى تفكك تحت وطأة أزماته الداخلية بحلول تسعينيات القرن الماضي.

وإذا ما قورنت تلك التجربة بما يجري اليوم، تتكشف ملامح تشابه لافتة، صراع متعدد الأبعاد "جيوسياسي، اقتصادي، وأيديولوجي" يضغط هذا الثلاثي على الداخل بقدر ما يستنزف الخارج، وبدأت عنوانًا يفسر أن الانخراط في صراعات مفتوحة دون أفق واضح، هو المسار ذاته الذي قاد قوى عظمى سابقة إلى التراجع.

غير أن أخطر ما في هذا المشهد، أن كلفة هذا الاستنزاف لن تقتصر على واشنطن وحدها، بل ستمتد إلى المنطقة بأسرها، ومع ذلك، فإن الإصرار الأمريكي على إدارة الصراعات بعقلية الهيمنة، لا بعقلية الشراكة، قد يدفعها إلى تكرار أخطاء تاريخية قاتلة.

لقد صنعت الولايات المتحدة، بسياساتها الحالية، بيئة صراع معقدة قد تتحول إلى مستنقع استراتيجي طويل الأمد، وفي حال استمرار هذا المسار، فإن الحديث عن تراجع الدور الأمريكي لن يكون مجرد تحليل، بل واقعًا يتشكل تدريجيًا، تمامًا كما حدث مع قوى كبرى سبقتها.

وأخيرًا.. لنستمتع معًا باستنزاف الولايات المتحدة الأمريكية، ثم بأفولها، ثم بخروجها من منطقتنا إذا كانت هناك إرادة حقيقية لذلك.

تابع مواقعنا