الأحد 03 مايو 2026
More forecasts: Wetter 4 wochen
رئيس التحرير
محمود المملوك
أخبار
حوادث
رياضة
فن
سياسة
اقتصاد
محافظات
محافظات

بوح صديقين | قصة

السبت 21/مارس/2026 - 10:22 م

جلست على المقهى البلدي القديم في الحي الشعبي العتيق، أقلب على الهاتف المنشورات القصيرة ومقاطع الفيديو التي لا تتجاوز ثواني.

تذكرت وجهه وهو يرمقني بنظرات حزينة، ويقول لي "إنها النهاية"، أحاول أن ألطف الأجواء قائلا: لا تكن طفلا، لقد كانت حالة إعجاب عابرة لا تتجاوز النظرات؛ فيرفع رأسه من على الأرض، وقد اكتسى بعلامات عدم الرضى، ثم تركني دون إبداء أدنى ردة فعل ورحل.

الليل ونس الشاردين أمثالي، الباحثين عن بصيص الضوء المتوارى خلف النجوم وذلك القمر الخجول. سحبت هاتفي مجددا، ثم قررت أن أبعث له برسالة، بدأت استجمع أفكاري، وأرتب كلماتي، وأحاول أن أصل فيما أكتب إلى أعلى مراحل البلاغة، وإن كانت فصاحتي متواضعة ولكنني قررت أن "أتوكل على الله" وأكتب ما جادت به قريحتي.

"مساء الخير يا صديقي العزيز، لقد سمعت أنات روحك من بعيد، ونحيب قلبك في الدجى يذكرنا جميعا بأننا مساكين، ورأيت روحك شاحبة تكاد تفارق جسدك لولا تلك الأنفاس التي تأبى الاستسلام.

أعلم يا صديقي أن القلوب ملك أصحابها وليست ملك أحد بعينه، إن الحب قدر لا مبدل له ولا راد لحكمه، وأن الأرواح إذا تعانقت فلن يفرقها شيء وإن كان الموت.

إن قلبك يسع هذا العالم فلا يضيق صدرك به لأهون الأسباب، ولا تضعف أمام الرفض والحيرة والتمني، اربح نفسك وإن خسرت الجميع، أبحث عن السعادة في أصغر التفاصيل، وآمن أن اليأس لحظة وليس حياة". ضغطت على زر الإرسال، وانتظرت اللحظة التي سيقرأ الرسالة فيها، لكن مرت نصف ساعة ولم يجبني، فقمت من مجلسي، وسرت والظلام يبتلعني رويدًا رويدا.

في صباح اليوم التالي، داعب الضوء عينيّ فاستيقظت من فوري وأنا أتثاءب بشدة، وشيء من الدوار قد أفقدني توازني لدقائق. بعد أن خرجت من الحمام والتهمت فطوري المعد مسبقا، تناولت الهاتف، أقلب في الرسائل وعلى حسابي الإلكتروني، ولما عاودت النظر، وجدت صديقي قد رد عليّ برسالة مطولة، استعمل فيها ضميري الغائب المتكلم، وقد استشعرت فيها حيرة فوق حيرته، وكأنه لم يعد يرى في الوجود غير مأساته:

"ليتني أقدر على البوح بما أريد، وإذا قدرت على ذلك أحسست أنني فقدت شيئا، وزادت الحيرة فيّ حيرةً.. فلا سؤال ولا إجابة ولا تعجل ولا انتظار، كل مصطلحات المواساة وألفاظ الاحتواء لم تعد تجدي معي نفعا، أفريت الذي نزوى في الركن أو بقى واقفا وحيدًا كصنم في تلك الزاوية المعتمة.

يطلق زفيرا يجد فيه أُنسًا أشد من لُقيا البشر، يضع عدساته على الطاولة ويجاهد في التفكير وصدره يعتليه ضيق وألم ويأس عظيم، يود لو يبكي، يود أن يصرخ أو يصمت، لا يرغب في رؤية أحد، ولا يريد أن يعرف أحدا، يريد إخراج جميع البشر من قلبه، يريد أن يمحو ذاكرته ويخلق ذاكرة جديدة، لعلّه بذلك يعطي لنفسه الحياة التي كان يستحقها مع أناس غير هؤلاء البشر.

يشعر دائما أنه قد ظُلِم، وأن هناك حلقة مفقودة في عقله وفي بصيرته تجاه البشر، يتساءل دوما أين الإجابة ومتى الفرج؟!! لا يدري وكلما مرت الساعات والأيام والأعوام، انتزعت الحيرة شيئا جديدا منه، وانزوت روحه وذبُل عقله، وأيقن أنه قد سقط سقوطا مدويا، وأنه سيبقى جالسا على الأرض يرمق المباني الشاهقة التي لن يبلغها يوما، حتى بصره لا يقدر على أن يأتي بنهايتها.

أتكون هذه نهايتي، أهذا أقصى ما وصلت إليه في حياتي كلها، لماذا أظل عاجزا عن فهم نفسي وفهم الآخرين، لماذا يحضرني يقين أن الجميع يستغلني، ويضمر لي خدعة، ألهذه الدرجة أنا لا شيء، ألهذه الدرجة أنا مُهدر الإنسانية والكرامة.. إذا كان هكذا فأنا لا أريد حياة مثل تلك الحياة".

ضحكت ملء شدقي من فرط سيريالية صديقي ومدى كآبته المفرطة، ألهذه الدرجة هو يعاني، قلت في نفسي إن لي معه لقاءً آخر في وقت لاحق، غير أنني اكتشفت أمرا واحدا أن هؤلاء الباحثين عن روحهم المفقودة وبسمتهم الضائعة، ربما عانوا كثيرا وسالت منهم دموع ودماء كثيرة، حتى يفرحوا في حياتهم ولو يوما واحدا. لماذا صرت أفكر مثله هل بهتت عليّ كتابته!!

أرسلت له يموشن "قلب أحمر" وكتبت له: "لي معك لقاء آخر يا صديقي.. ولكن على أرض الواقع وليس الهاتف". بعثت له بالرسالة، ثم دفنت الهاتف داخل حقيبتي، ومضيت أعدو باتجاه موقف الحافلات وأنا أفكر حقا، هل نحن بحاجة إلى مساعدة القدر، أم نحن من نخلق أقدارنا؟

تابع مواقعنا