من يوقف الحرب؟
تدخل الحرب أسبوعها الرابع، وقد تفاقمت تأثيراتها على العالم أجمع وتنذر بكوارث وخيمة سيعاني منها الجميع، من توقف سلاسل الإمداد وارتفاع الأسعار وزيادة التضخم وارتفاع أسعار الطاقة، وما زال ترامب يواصل مراوغاته وتصريحاته المتضاربة والمتناقضة، فتارة يهدد بسحق إيران، وتارة أخرى يجعل الجميع يتنفس الصعداء بوصول المفاوضات إلى مرحلة مهمة وأن الحرب في طريقها لنهايتها.
الفاتورة التي تحملتها الإدارة الأمريكية باهظة، وخسائرها على المستوى السياسي والاقتصادي كبيرة، ولم يُكتب لها في تلك المعركة النصر، برغم استهداف ومقتل الصف الأول من القادة الإيرانيين، وتحييد قدرة إيران العسكرية، وضرب بنيتها التحتية ومنشآتها الاقتصادية الحيوية، وتدمير برنامجها النووي، وغيرها من الأمور التي يتباهى بها الرجل البرتقالي بأن إيران انتهت. وإن كانت كذلك، فما الداعي إلى التفاوض أو استكمال الحرب؟ ومع غياب البعد الاستراتيجي للحرب لدى ترامب، فقد خسر حربه مع إيران، وكذلك لم ينتصر.
فإيران ما زالت صامدة، ترسل بصواريخها ومسيراتها في المنطقة، وما زالت مسيطرة على مضيق هرمز، وترامب فاشل في السيطرة على المضيق، وفشلت محاولاته في استقطاب دول أوروبية لدعم موقفه من فتح المضيق بالقوة، رغم تهديداته بعملية إنزال بري والسيطرة على جزيرة خارك. كل تلك الأمور تتعامل معها إيران وكأنها خزعبلات يهذي بها ترامب. فعندما هدد بضرب منشآت الطاقة الإيرانية، كان رد إيران سيكون بالمثل في كل المنطقة، وقد هوّل البعض عندما قلت إن إيران بإمكانها ضرب المصالح الأمريكية في أوروبا، ولن تكتفي بدول الخليج العربي.
إيران ليس لديها ثقة في تصريحات ترامب ولا في مفاوضاته، مع أن أي صراع لا بد أن ينتهي بالتفاوض، وإيران أعلنت: لا تفاوض حتى وقف الحرب على كل الجبهات، وتقصد إيران أن تكف إسرائيل ضرباتها على قطاع غزة والجنوب اللبناني والحوثيين في اليمن.
وقد أنكرت إيران مرات عديدة وكذبت تصريحات ترامب بأن هناك تفاوضًا عبر وسطاء، وأنه أرجأ تهديداته بضرب منشآت الطاقة الإيرانية إن لم يتم فتح مضيق هرمز. ولم تُبالِ إيران في كل المرات بتصريحات ترامب، فصعب على الولايات المتحدة الأمريكية تنفيذ عملية إنزال بري أو احتلال المضيق بالقوة، نظرًا لطبيعته الجغرافية وقرب السواحل الإيرانية من المعبر الحيوي، الذي تستطيع بأسلحة خفيفة تهديد العابرين بالمضيق، كذلك الألغام التي تم زرعها.
وقد أعلنت الولايات المتحدة عن خطتها وشروطها لوقف الحرب مع إيران. من جانبها، طالبت بمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، وتفكيك مخزونها من اليورانيوم المخصب، وإحكام سيطرة الولايات المتحدة على اليورانيوم المخصب المدفون تحت موقع أصفهان، وتسليمه للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وقبول رقابة أممية على منشآت تخصيب اليورانيوم في مفاعلات أصفهان وفوردو ونطنز، والحد من إنتاج الصواريخ الباليستية وتقليل مداها، ووقف الدعم اللوجستي إلى كافة أذرعها، والاعتراف بالوجود الإسرائيلي، وإقامة منطقة بحرية حرة في مضيق هرمز.
ومن جانبها، إيران لن تستطيع وقف الحرب ولن تقبل بتلك الشروط، وأعلنت أنها لن تتفاوض إلا بعد وقف الحرب تمامًا، وأن على الولايات المتحدة الأمريكية إغلاق جميع قواعدها العسكرية بالمنطقة، ودفع تعويضات عن خسائرها في تلك الحرب، ووقف الهجمات الإسرائيلية على كافة الجبهات، كما تنوي إيران تحصيل رسوم عبور في مضيق هرمز، ردًا على تصريحات ترامب الأخيرة بإدارة المضيق.
لا شك أن الحرب تدخل منعطفًا خطيرًا، وقد تتسع دائرته إن لم تتوقف تلك الحرب التي يعاني العالم كله من تداعياتها، وقد تأخذ منحى خطيرًا، فبرغم كل الضربات والهجمات الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ما زالت قادرة على الرد.
وأمام الشروط التعجيزية التي وضعتها إدارة ترامب، وعناد إيران، لن نستطيع التنبؤ بالأيام القادمة، ومدى اتساع رقعة الصراع بالمنطقة وتطور تداعياتها.
إسرائيل في كل الأحوال هي المستفيدة من تلك التطورات، فقد أدركت أن قوة إيران قد اضمحلت برغم هجماتها، وأنها فرضت واقعًا جديدًا في الجنوب اللبناني، وستجعل منه ضفة غربية جديدة، وأن الأذرع الإيرانية قد تقلصت قدرتها.
نحن أمام حرب سيفشل المجتمع الدولي كعادته في وقفها، وأن كل مفاتيح الحرب في يد ترامب فقط. فهل يرضخ ترامب بعد قناعاته بالتخلص من قدرة إيران العسكرية وبرنامجها النووي، ويتساهل في شروطه، أم يريدها فنزويلا جديدة؟ وهذا أمر صعب المنال في الحالة الإيرانية.


