السبت 02 مايو 2026
More forecasts: Wetter 4 wochen
رئيس التحرير
محمود المملوك
أخبار
حوادث
رياضة
فن
سياسة
اقتصاد
محافظات
محافظات

جاءت لتُعلم فغيّر الأطفال حياتها.. مدرسة يابانية ترصد تفاعل الطلاب المصريين: أكثر تعبيرا وثقة وتعلمت منهم الكثير

المعلمة اليابانية
تعليم
المعلمة اليابانية ميساكو أكيموتو
الأربعاء 01/أبريل/2026 - 03:04 م

لم تكن تجربة ميساكو أكيموتو التي جاءت من أقصى الشرق محملة بصرامة الوقت إلى مصر مجرد انتقال وظيفي من اليابان إلى الخارج، بل محطة مهنية كشفت عن فروق واضحة في أساليب التعليم والتفاعل داخل الفصول الدراسية، فالمعلمة التي اعتادت العمل في بيئة تقوم على الانضباط والدقة، وجدت نفسها أمام نموذج مختلف، يعتمد بشكل أكبر على التعبير المباشر والمشاركة النشطة من الطلاب، لتتعلم في  قلب القاهرة معنى الاحتواء.

في مكتبها باليابان، كانت ميساكو أكيموتو تدير مدرسة ابتدائية كما تُدار الساعات الدقيقة؛ كل شيء محسوب، وكل دقيقة لها وزنها، كانت تراقب الزمن لا كصديق، بل كمسؤولية لا تقبل الخطأ، إلى أن جاءت اللحظة الفارقة، كما تقول: دعوة من زميلها كاواجوي للعمل مشرفة تعليمية في مصر، والتي اعتبرتها بأنها لم تكن مجرد فرصة مهنية، بل بوابة لحياة أخرى لم تكن تعرف أنها تحتاجها.

المعلمة اليابانية ميساكو أكيموتو
المعلمة اليابانية ميساكو أكيموتو

تقول ميساكو إن قرار الانتقال لم يكن سهلًا، خاصة مع حاجز اللغة، وقد بدت لها العربية في البداية لغة صعبة، وهو ما أثار تساؤلات حول قدرتها على التواصل داخل بيئة تعليمية مختلفة، كيف ستعيش في لغة لا تفهمها؟ كيف ستتواصل مع قلوب لا تتحدث بلسانها؟، وكانت العربية بالنسبة لها طلسما غامضا، لكن مع وصولها إلى مصر، ساعدتها مترجمة تُدعى نورهان على تجاوز هذا التحدي، سواء في العمل أو في التعامل اليومي، والتي وصفتها بقولها: لم تكن مجرد وسيط لغوي، بل جسر إنساني فتح لها أبواب الفهم والانتماء.

مديرة يابانية بين الطلاب المصريين: حاولت أغيّر الفصل وتغيّرت أنا

داخل المدارس المصرية اليابانية، أدركت ميساكو أن العربية ليست عائقًا، وأن هناك لغة أخرى هي التي يتعامل بها الطلاب، هي المشاعر، عكس ما اعتادت عليه في اليابان، تشير إلى أن الطلاب في مصر يميلون إلى التعبير المباشر عن مشاعرهم، وهو ما لم يكن مألوفا لها في البداية، حيث تجد نفسها أمام طفل يركض نحوها، يعانقها دون تردد، ويقول ببساطة: أحبكِ. لحظة أربكتها في البداية، وتضيف أن هذا النمط من التفاعل ساعدها على فهم جانب مختلف من العلاقة بين المعلم والطالب، ففي اليابان، تُكتم المشاعر خلف ابتسامات خجولة، أما هنا، فالقلب يتكلم دون استئذان.

 شيئا فشيئا، بدأت ميساكو تتخلى عن الحاجز غير المرئي، وتتعلم أن التعبير ليس ضعفا، بل قوة، ولكن الدرس لم يتوقف عند المشاعر، كان للوقت حكاية أخرى، كما تسرد حكايتها: في شوارع القاهرة المزدحمة، حيث لا تسير الحياة وفق عقارب دقيقة، واجهت قلقي القديم، التأخير كان بالنسبة لها خطأ وربما فشل، لكنها اكتشفت مع الأيام أن المرونة لا تعني الفوضى، بل تعني إنسانية أكبر، أن تترك مساحة للتنفس، للتأمل، للقبول بأن الحياة لا تُقاس بالدقائق فقط، وهكذا، تحوّل الوقت من خصم يلاحقها إلى رفيق أكثر رحمة.

المعلمة اليابانية ميساكو أكيموتو
المعلمة اليابانية ميساكو أكيموتو

داخل الفصول الدراسية، وجدت ميساكو نفسها أمام تجربة مختلفة تماما في أنشطة التوكاتسو، لم يكن الطلاب مجرد متلقين كما تحكي، بل قادة صغار، كل طفل يريد أن يتحدث، أن يقود، أن يُقنع حتى أنها كانت تصل لاندهاشها في نقاشات مجلس الفصل من إصرارهم؛ لا يتنازلون بسهولة، يجادلون بشغف، ويتمسكون بآرائهم بثقة، على العكس ما اعتادته في اليابان، حيث يُقدَّم الانسجام الجماعي أحيانا على حساب التعبير الفردي.

وذروة هذه الروح تجلت في الأوندوكاي وهو يوم رياضي ياباني، هناك وقف المعلمون جانبا، وتركوا المسرح بالكامل للأطفال، لم يكن مجرد نشاط، بل عرض حي للقيادة، للتنظيم، للحماس، تقول ميساكو: رأتهم يديرون الحدث وكأنهم وُلدوا لذلك، في تلك اللحظة، لم أشعر فقط بالفخر بل بشيء أعمق شوق لرؤية هؤلاء الأطفال بعد عشرين عاما، عندما يصبحون هم من يشكّلون ملامح المستقبل.

المعلمة اليابانية ميساكو أكيموتو
المعلمة اليابانية ميساكو أكيموتو

ورغم أنها لم تتمكن بعد من إتقان أسماء طلابها بسبب صعوبة الحروف العربية، إلا أنها حفظت ما هو أهم من وجهة نظرها، ووفقا لتجربتها، بريق عيونهم، الذي وصفته لا يُترجم، لكنه يُفهم، متابعةً عن تجربتها: جئتُ أحمل فلسفة الالتزام الياباني، لكنني لم أكن أعلم أنني سأغادر محمّلة بشجاعة البوح المصرية.

ميساكو أكيموتو، أدركت بعد رحلتها لمصر، وداخل المدارس المصرية، من خلال تعاملها مع الطلاب المصريين، أنها لم تغيّر مكانها فقط، بل غيّرت إيقاع حياتها بالكامل، ومن خلال التوكاتسو، لم تنقل تجربة تعليمية فحسب، بل صنعت جسرا حقيقيا بين ثقافتين، يمرّ فوقه جيل جديد أكثر وعيا، وأكثر إنسانية، وتعملت عن الإنسان كيف يشعر، وكيف يعبّر، وكيف يرى في الآخر وطنا، كما تقول في نهاية وصفها لتجربتها.

تابع مواقعنا