مهنة مَن لا مهنة له !!
كيف يلقب فلان نفسه شيخًا أو داعية بلا ترخيص من الأزهر أو الأوقاف؟! سؤال يبدو بسيطًا لكنه يكشف عمق الانفلات الذي أصاب الساحة الدينية في مصر؛ تصور عزيزي القارئ أن الراقصة التي ترقص في كباريه تحتاج إلى ترخيص من المصنفات الفنية كي تزاول المهنة! والممثل بدون تصريح من النقابة لا يمثل مشهدا، والصيدلي ممنوع عليه قياس ضغط أو سكر أو إعطاء حقنة، والصحفي لن يكتب كلمة دون عضوية النقابة! أما لقب “شيخ” أو “داعية” فبات سهلا أن يُمنح لكل من أراده. وعليه يتم إعلانه شيخا في كل مسجد وفي الفضائيات وعلى مواقع التواصل؛ وكأن كل مؤهلات العلم والفقه مجرد زينة ثانوية يمكن تجاهلها! المنال أصبح سهلا والدعوة أصبحت تجارة والآخرة أداة للهيمنة على العقول لا دعوة للفضيلة.
في أواخر السبعينات، تغير التدين في مصر نحو الظلام، حيث أصبح الحديث عن الآخرة فقط وعن النار والعذاب وعن الحساب الذي يختصر كل الحياة في لحظة موت واحدة! الضحك صار محرّمًا والفرح خطيئة كبرى والموسيقى محظورة والفن مُدانًا وكل الأعياد البسيطة مثل عيد الأم أو النصر أو الحب أو الميلاد، حراما حراما حراما! وكأن الحياة نفسها جريمة؛ لقد أصبحت “العيشة” على الأرض اختبارًا دائمًا للخوف وأصبحت النفوس رهينة للترهيب المستمر الثعبان الأقرع والمقابر وعذابها! الرموز المظلمة صارت شعارات يومية في خطبهم ومحاضراتهم بينما الفرحة والجمال أصبحا نكبة ومحل هجوم مستمر!
إن المصري القديم منذ آلاف السنين كان متدينًا بطبعه يحترم الحياة والجمال ويقدّر دور الإنسان في الأرض ويؤمن بالعدل والرحمة والعمل الصالح ولم يكن يحتاج إلى تهويل أو تخويف ليصلي ولم يربط التدين بالموت والظلام فقط؛ الأخلاق واحدة عبر كل الرسالات السماوية، والقرآن والتوراة والإنجيل جميعها تؤكد أن الخير، الرحمة، والعدل، قيم ثابتة وأن الحياة على الأرض فرصة للفضيلة، لا مجرد مرحلة انتظار للعقاب.
لكن الدين السياسي غير المرخص الذي ظهر لاحقًا وحول المعبد إلى آلة للسيطرة على العقول وجعل الناس خائفين وممتنعين عن الضحك وعن الفن وعن الاحتفال وعن الجمال وأسس قاعدة جديدة: أن كل متعة دنيوية خطيئة محتملة! وأن الحياة على الأرض مجرد اختبار عبور سريع نحو النار أو الجنة وكل ابتسامة وكل لحن وكل عيد أصبح موضع شك، وكل فرد خائف أصبح أداة للسيطرة استعدادا لنزول القبر الموحش وملاقاة الثعبان الأقرع وعذاب الملكين.
إنه انقلاب على الفطرة المصرية الأصيلة وعن الإنسانية بمفهومها العميق: التدين الحقيقي يا سادة لا يقتل الحياة ولا يمنع الجمال ولا يخنق الإنسان باليأس؛ ومعتنقي الرسالات السماوية يعلمون أن الدين الحقيقي يعلّم كيف نعيش وكيف نحب وكيف نبتكر وكيف نزرع الخير، مع إدراك قيمة الموت والآخرة دون تهويل مستمر؛ أما هؤلاء الدعاة (بلا ترخيص) فقد حولوا الدين إلى سلطة وبضاعة للمال والترهيب وحرفوا رسالة الرحمة إلى جحيم مستمر على الأرض حيث الخوف أصبح الجوهر والفرح والجمال من المحرمات والآخرة مجرد أداة للسيطرة والهيمنة والترهيب.. فهل تعقلون؟!






