هشام سلام: الإعلان عن اكتشاف مهم خلال أسابيع.. ونسعى لإنشاء متحف قومي للتاريخ الطبيعي | حوار
على مدار الأيام الماضية تصدر اسم مصر أكبر المجلات العالمية والمواقع العالمية وذلك بعد الاكتشاف العلمي الذي قدمه مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية سلام لاب، حيث استطاع المركز والدكتورة شروق الأشقر قيادة فريق لنشر أول بحث علمي مصر من جامعة حكومية في مجلة ساينس العالمية، وذلك بعد اكتشاف القردة العليا، الذي أعاد تشكيل خريطة القردة العليا عالميًا وأثبت أن مصر جزء أصيل وأساسي من الخريطة العالمية للقردة.
ومن هذا المنطلق، أجرينا عبر القاهرة 24 عددًا من الحوارات مع العلماء بمركز سلام لاب، بقيادة الدكتور هشام سلام العالم المصري والذي استطاع من قلب معمل سلام لاب بجامعة المنصورة، تشكيل تجربة علمية مصرية فريدة، استطاعت خلال سنوات قليلة أن تضع مصر على خريطة البحث العلمي العالمي في مجال الحفريات.
وخلال الحوار الأول مع علماء سلام لاب، يكشف الدكتور هشام سلام تفاصيل التجربة التي يقودها والذي نجح في بناء مدرسة علمية متكاملة، قائمة على الشغف والتعاون والانفتاح الدولي، مع طموح مستمر نحو المستقبل.
وإليكم نص الحوار…
كيف بدأت فكرة إنشاء مركز سلام لاب؟
تخصص الحفريات الفقارية كان لسنوات طويلة حكرًا على البعثات الأجنبية التي كانت تعمل في مصر وتنشر اكتشافاتها عالميًا، بينما لم يكن للجامعات المصرية دور يُذكر في هذا المجال، حيث سيطر العلماء الأجانب علي هذا المجال وذلك بسبب عدم وجود أي مصر حاصل على الدكتوراه في هذا المجال، ومن هذا بدأت البحث بعد الحصول على الماجستير في وضع مصر في خريطة هذا العلم.
كيف حصلت على الدكتوراه ومتي بدأت التخطيط لـ سلام لاب؟
بدأت دراستي للحفريات في الخارج، وتحديدًا في جامعة أكسفورد، بعد الحصول على منحة الحكومة المصرية في 2008 لدراسة تخصص نادر وهو هذا التخصص، وعملت لفترة بعدها في بريطانيا، وكان السؤال الذي يشغلني هو: كيف يمكن نقل هذا العلم إلى مصر وبناء قاعدة علمية حقيقية، وكنت دائم توجيه هذا السؤال إلى زملائي.
ما الخطوات التي اعتمدتم عليها لبناء هذه المدرسة العلمية؟
اعتمدنا على عدة محاور أساسية، أهمها اختيار طلاب شغوفين بالعلم، وإنشاء معمل متخصص، وتنظيم رحلات ميدانية للاكتشافات، إلى جانب بناء شبكة تعاون دولي مع كبار العلماء، مع الحرص على نشر الثقافة العلمية بين مختلف فئات المجتمع، وكان الهدف الأكبر هو إنشاء متحف تاريخ طبيعي في مصر.
ماذا تحقق من هذه الأهداف حتى الآن؟
على مدار نحو 15 عامًا، تمكنا من تحقيق معظم الأهداف، حيث نجحنا في تأسيس أول مدرسة علمية مصرية في الحفريات، وتدريب كوادر قادرة على المنافسة عالميًا، وكذا استطعنا تحقيق العديد من الإنجازات والاكتشافات بتحقيق الهدف وهو وضع مصر في خريطة هذا العلم، ونشرنا في كبرى المجلات العلمية مثل نيتشر وساينس، ولم يتبق سوى تنفيذ مشروع المتحف الطبيعي، الذي نعتبره مشروعًا قوميًّا.
كيف نجحتم في توطين هذا العلم داخل مصر؟
نجحنا في إنهاء احتكار الأجانب لهذا المجال إلى حد كبير، وأصبح لدينا اليوم باحثون مصريون يقودون الأبحاث وينشرون في مجلات دولية مرموقة، مع استمرار التعاون مع المؤسسات العالمية دون انعزال، حيث أصبح لدينا علماء مصريون خرجوا من سلام لاب ويعملون في عدد من الجامعات العالمية.
ما سر تميز فريق العمل داخل سلام لاب؟
السر هو الحلم المشترك، فنحن نفتح الباب لكل من لديه شغف بالعلم، ومن يتبنى هذا الحلم يصبح جزءًا من الفريق، هذا الحلم الوطني هو الذي يصنع روح العمل ويُبعد أي نزعة فردية، واستطعنا خلال الفترة الماضية بفضل هذا الحلم، تحقيق إنجازات كبيرة ساهمت في ترسيخ مكانة المركز، ليصبح واحدًا من المراكز المتميزة في الشرق الأوسط، ومن بين أبرز المراكز على مستوى العالم في مجال الحفريات.
هل يقتصر دور المركز على طلاب الجامعات؟
المركز لا يقتصر على طلاب الجامعات فقط، بل لدينا طلاب من المرحلة الإعدادية، بل ومن المرحلة الابتدائية أيضًا، يستمرون معنا حتى يصلوا إلى الثانوية العامة، ويصبحون جزءًا من هذا الحلم، وهؤلاء الطلاب يحرصون على التواجد خلال الإجازات الصيفية، وأحيانًا خلال الدراسة، لتعلم أساسيات البحث العلمي، في تجربة مصرية ناجحة تنطلق من الداخل، فنحن نفتح أبوابنا لكل من لديه شغف، دون اشتراط أن يصبح الجميع علماء حفريات.

هدفنا هو المساهمة في بناء وعي علمي حقيقي لدى الشباب، ليصبح لدينا أطباء ومهندسون يمتلكون منهجية علمية وإبداعًا في التفكير، كما نحرص على تقديم نماذج ناجحة أمامهم، لتحفيزهم على العمل والاجتهاد، ولذلك يظل المركز نقطة مضيئة لكل من يسعى إلى تحقيق إنجاز علمي حقيقي.
هل يمكن تكرار تجربة سلام لاب خارج مصر.. وهل يمكنكم القيام برحلات خارجية للاستكشاف بدول الجوار؟
نجاح التجربة يؤكد أن النجاح قابل للتكرار، بل إن النجاح في حد ذاته يُعد عدوى إيجابية، خاصة مع توافر آليات واضحة ورؤية قائمة على هدف وطني يتمثل في خدمة البلد، والبيئة في الدول العربية أو في منطقة الشرق الأوسط والتحديات متقاربة إلى حد كبير، لذا يمكن تكرار هذا التجربة.
وفيما يخص الرحلات الخارجية، مصر على مستوى المساحة كبيرة وعلى مستوى الزخم في الحفريات، فهي مثل الطبق الممتلئ الذي يجعلك لا تنظر إلى الخارج.
هل المركز يمكن مساعدة الجامعات العربية والإفريقية في نقل التجربة؟
المركز يرحب بالتعاون مع مختلف الدول لنقل هذه التجربة، خاصة أن الثروات الحفرية لا تقتصر على مصر فقط، بل تمتد إلى دول مثل ليبيا والسعودية والمغرب، وقد شهد المركز بالفعل تجربة ناجحة في هذا الإطار، حيث تم تدريب طلاب من المغرب بالتعاون مع جهة دولية، وتمكنوا لاحقًا من نشر بحث علمي مهم.
ولا توجد أي معوقات أمام نقل التجربة، بل على العكس، يمثل تكرارها في دول مختلفة مصدر فخر، خاصة إذا أسهم ذلك في تشجيع الطلاب على الاهتمام بالعلم منذ الصغر، فطبيعة علم الحفريات تجذب الطلاب في المراحل المبكرة، وتسهم في تنمية التفكير العلمي والمنطقي لديهم، بما ينعكس لاحقًا على تكوين شخصيات علمية متميزة في مختلف التخصصات.
ماذا عن التعاون الدولي؟
لدينا شبكة تعاون واسعة مع مؤسسات دولية، واستقبلنا بالفعل طلابًا من الخارج للتدريب داخل المركز، كما ساهمنا في نقل التجربة إلى دول أخرى، وطلاب المركز الذين يدرسون حاليًا في جامعات دولية مرموقة مثل ميتشجان وأوهايو وأوكلاهوما، ويُعدّون من النماذج المشرفة التي تعكس نجاح التجربة.
كانت هناك أنباء تتداول عن تكلفة البحث الأخير وصلت لـ6 ملايين جنيه.. كيف ترد على ذلك؟
هذا الرقم لم يُنفق على البحث نفسه، بل خُصص لدعم البنية التحتية وشراء أجهزة متطورة للمركز، في حين تم تمويل البحث من خلال شراكات مختلفة مع جامعة المنصورة وجهات أخرى، والاستثمار في العلوم الأساسية يُعد حجر الأساس لأي نهضة علمية حقيقية، وزيادة الإنفاق في هذا المجال تسهم في إعداد كوادر تعليمية متميزة قادرة على نقل المعرفة وبناء أجيال جديدة من الباحثين، خصوصا أنه يجب وجود نماذج علمية ملهمة يسهم في ترسيخ ثقافة الابتكار، بدلًا من الاعتماد المستمر على الخبرات الأجنبية، وهو ما يمثل خطوة ضرورية لتحقيق الاستقلال العلمي.
حدثنا عن التنسيق بين الفريق لاكتشاف القردة العليا؟
اكتشاف القردة العليا ثمرة جهد جماعي مكثف لفريق بحثي عمل لأشهر طويلة دون توقف، بقيادة الباحثة شروق الأشقر، المؤلف الرئيسي للدراسة، وقد تطلب هذا الإنجاز تفرغًا كاملًا وجهدًا استثنائيًا حتى خرج بهذا المستوى العلمي الرفيع، ويمكن القول بفخر إن مصر نجحت بقيادة علمية مصرية ومن داخل مؤسسة وطنية، في نشر بحث علمي في مجلة “ساينس”، في سابقة تُعد الأولى من نوعها على مستوى الجامعات المصرية.
يعكس هذا النجاح حالة الحراك العلمي المتزايد واهتمام المجتمع بمتابعة مثل هذه الإنجازات، وقد حظي البحث باهتمام عالمي وإشادة من المحكمين، وهو ما يعزز الطموح لدى الفريق لمواصلة العمل وتحقيق مزيد من النجاحات العلمية مستقبلًا.
ماذا نحتاج لتطوير العلوم الأساسية في مصر والتي يعاني منها العالم؟
إذا تم توجيه مزيد من الإنفاق نحو العلوم الأساسية، فسنحصل على كوادر تعليمية متميزة قادرة على نقل المعرفة بشكل صحيح، وتعريف الأجيال الجديدة بكيفية صناعة العلم، وتقديم نماذج ملهمة يمكن الاقتداء بها، والاهتمام بالعلوم الأساسية يُعد القاطرة الحقيقية لنجاح أي مؤسسة، إذ لا يمكن تحقيق تقدم حقيقي دون بناء قاعدة علمية قوية، بدلًا من الاعتماد المستمر على الخبرات الأجنبية.
ومن هنا تبرز أهمية الاستثمار المبكر في بناء العقول وتنمية التفكير العلمي، وهي قضية لا تقتصر على مصر فقط، بل تواجهها العديد من الدول، حيث بدأت بعض الجامعات عالميًا تعاني من تحديات في هذا المجال، ويظل تطوير هذا الملف مرتبطًا بجهد مؤسسي متكامل، وليس بجهود فردية، ورغم التحديات، فإن هناك مؤشرات إيجابية تبعث على التفاؤل، حيث توجد في مصر طاقات حقيقية وفرص واعدة يمكن البناء عليها لتحقيق نهضة علمية ملموسة.
ماذا عن حلمكم الخاص بـ مشروع المتحف الطبيعي؟
مشروع إنشاء المتحف يُعد مشروعًا وطنيًا قوميًا، لا يقتصر على جهود فريق بعينه، بل يرتبط برؤية الدولة ككل، كما أن الدولة وقيادتها على وعي كامل بأهمية هذا المشروع، في ظل إدراكها لمجمل التحديات والملفات المحيطة، وهو ما يجعل ترتيب الأولويات أمرًا ضروريًا في المرحلة الحالية.
هل هناك اكتشافات جديدة قريبة؟
نعم، هناك بالفعل اكتشافات قادمة سيتم الإعلان عنها خلال أسابيع قليلة، وسيتم نشرها عالميا، ونحن في مزيد في الاكتشافات وخلال الأيام الماضية تم رصد حالة مرضية تصيب الفقرات وتؤدي إلى التحامها.
حدثنا عن تفاصيل رصد حالة مرضية لثعبان عمره 37 مليون سنة؟
رصد حالة مرضية تصيب الفقرات أو بعض أجزاء الجسم، وتؤدي إلى التحامها، بحيث قد تتحول الأجزاء المنفصلة إلى كتلة واحدة نتيجة هذا الالتحام، وقد تم التعرف على هذه الحالة من خلال فريق البحث بالمركز، وبمشاركة الدكتور حسام السقا.


