في ذكرى مدرسة بحر البقر الابتدائية.. الاحتلال يتلذذ باستهداف الأطفال منذ 56 عامًا مع كل فشل في الحروب
في صباحٍ لم يكن مختلفًا عن غيره، خرج أطفال قرية بحر البقر يحملون دفاترهم الصغيرة وأحلامهم الأكبر من أعمارهم، لا يعلمون أن السماء التي اعتادوا النظر إليها بحثًا عن الطيور، ستُمطرهم نارًا، ودقائق قليلة كانت كافية لتحويل فصل دراسي إلى مقبرة، ووجوه بريئة إلى أرقام في سجلات الألم.
تمر 56 عامًا على مذبحة بحر البقر، لكن المشهد ذاته يتكرر باختلاف الجغرافيا، من مصر إلى غزة، ومن لبنان إلى مشاهد متفرقة في المنطقة، يبقى الأطفال هم الضحايا الأكثر حضورًا في كل حرب لـ قوات الاحتلال، والأكثر غيابًا في الحسابات، خاصة كلما فشلوا في تحقيق أي انتصار في ساحة المعارك.
مذبحة بحر البقر.. الجريمة التي لا تُنسى

في 8 أبريل 1970، تعرضت مدرسة بحر البقر الابتدائية في محافظة الشرقية لقصف جوي، أسفر عن:
استشهاد نحو 30 طفلًا
إصابة أكثر من 50 طفلًا
ورغم وجود روايات تاريخية تذكر أرقامًا أعلى، يبقى الرقم الرسمي الأكثر اعتمادًا هو 30 شهيدًا من الأطفال، في حادث لم يكن مجرد مأساة عابرة، بل صارت رمزًا لاستهداف البراءة، وبداية سردية ممتدة من الدم لا تزال فصولها تُكتب حتى اليوم في حروب إسرائيل ضد دول المنطقة.
أطفال غزة.. أرقام تتزايد ووجع لا يتوقف

منذ السابع من أكتوبر 2023، وقبل ذلك بسنوات عدة، تحولت غزة إلى واحدة من أكثر المناطق خطورة على الأطفال في العالم، وفق تقارير متعددة، وتشير أحدث الإحصائيات خلال العامين الماضيين، إلى:
عدد الأطفال القتلى: نحو 15،694 طفلًا
عدد الجرحى: أكثر من 34،000 طفل
آلاف الأطفال لا يزالون تحت الأنقاض
بينما تشير تقديرات أخرى حتى سبتمبر 2025، إلى وصول عدد الأطفال القتلى إلى نحو 19،424 طفلًا، مع كون الأطفال يشكلون قرابة 30% من إجمالي الضحايا، هذه الأرقام لا تعكس فقط حجم المأساة، بل تكشف نمطًا مستمرًا من سقوط الأطفال كضحايا رئيسيين في الحروب الإسرائيلية على دول المنطقة.
لبنان.. امتداد الألم في التصعيد الأخير

ففي أحدث موجات التصعيد خلال عام 2026، أعلنت تقارير رسمية لبنانية أن:
عدد الأطفال القتلى يتراوح بين 107 و111 طفلًا، في رقم يعكس استراتيجية استهداف المدنيين، وعلى رأسهم الأطفال، في مناطق النزاع.
إيران.. غياب الأرقام لا يعني غياب الضحايا

وفي إيران، ورغم عدم وجود إحصاءات دولية دقيقة بشأن الأطفال الضحايا داخل إيران، تشير تصريحات رسمية إلى:
أكثر من 30% من الضحايا هم من الأطفال، في ظل تسجيل أكثر من 1332 قتيلًا مدنيًا في سياق هجمات مرتبطة بالصراع، كما تشير التقارير، والتي تؤكد على تعمد استهداف منشآت مدنية، بينها مدرسة ابتدائية في طهران، في وقائع لم تتكشف كل تفاصيلها حتى الآن.
شهادات من الميدان: حين يتحدث الأطباء
""لم أر في حياتي، خلال مسيرتي الطبية، هذا العدد من الأطفال المصابين بإصابات مدمرة ومباشرة بهذا الشكل"، هكذا كانت شهادة الطبيب الأمريكي مارك بيرلموتر والذي كان في قلب المشهد، وبعيدًا عن البيانات الرسمية والتصريحات السياسية، والذي كتب عن أوضاع الأطفال القاسية من داخل غرف العمليات، وعلى أجساد الأطفال أنفسهم.

الطبيب اليهودي مارك بيرلموتر، الذي عمل داخل مستشفيات غزة، قدم واحدة من أكثر الشهادات إثارة للصدمة، حيث أكد أنه وثّق حالات استهداف مباشر للأطفال برصاص قناصة، وقال إن الإصابات التي عاينها لم تكن عشوائية أو نتيجة شظايا، بل كانت في مناطق قاتلة بدقة، ما يشير بحسب وصفه إلى "نمط متكرر لا يمكن تفسيره بالخطأ".
تصريحات إسرائيلية.. استفزاز يتجاوز السياسة

لم تتوقف الأزمة عند حدود الميدان، بل امتدت إلى داخل الخطاب الإسرائيلي نفسه، حيث ظهرت تصريحات أثارت جدلًا واسعًا، من بينها الباحثة الإسرائيلية أوريت بيرلوف، المرتبطة بمعهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب، أثارت عاصفة من الانتقادات بعد تداول تصريحات منسوبة لها دعت فيها إلى توسيع نطاق الاستهداف ليشمل ما وصفته بـ"أبناء الأعداء"، معتبرة أن ذلك يمثل "وسيلة ردع فعالة"، ورغم حذف التصريحات لاحقًا، فإنها فجّرت نقاشًا واسعًا حول حدود الخطاب الأخلاقي في زمن الحرب.
سياسي إسرائيلي: الدولة العاقلة لا يمكن أن تقتل الرضّع كهواية

على الجانب الآخر، خرجت أصوات من داخل الساحة السياسية الإسرائيلية تنتقد هذا النهج، فقد قال السياسي الإسرائيلي يائير جولان إن "الدولة العاقلة لا يمكن أن تقتل الرضّع كهواية"، في تصريح لافت حمّل فيه الحكومة مسؤولية التدهور الأخلاقي، واصفًا بعض السياسات بأنها "مدفوعة بالانتقام وتفتقر للحكمة".
تحذيرات دولية.. الصحة العالمية: إسرائيل تقتل طفل كل 10 دقائق
المدير العام للمنظمة، تيدروس أدهانوم جيبريسوس، قدّم واحدة من أكثر الإحصائيات صدمة وقت الحرب الإسرائيلية على غزة، عندما قال أمام مجلس الأمن: "في المتوسط، يُقتل طفل كل عشر دقائق في غزة"، مشيرًا إلى أن غزة "لم تعد مكان آمن للأطفال"، وسط الهجمات الإسرائيلية الغاشمة.
اليونيسيف تنتقد سياسيات إسرائيل في استهداف الأطفال: كارثي

من جانبها، وصفت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسيف” الأمر بأنه "كارثي بكل المقاييس" وأن إسرائيل ترتكب جرائم كبيرة في حق الأطفال، مؤكدة أن "حياة الأطفال في غزة أصبحت معلقة بخيط رفيع"، مؤكدين على أن حماية الأطفال كأولوية إنسانية مطلقة
الأمم المتحدة تحذر من الاستمرار في استهداف الأطفال
وتحذيرًا من النهج الإسرائيلي ضد الأطفال، حذرت الأمم المتحدة من استهداف الأطفال كبنوك أهداف أولى لقوات الاحتلال، وذلك ليس فقط بالقتل أو الإصابات، بل بالمخاطر التي يواجهونها من اضطرابات نفسية حادة، وفقدان التعليم، ونشأة في بيئة عنف دائم.
تعليق الجيش الإسرائيلي على استهداف الأطفال في الحروب

في المقابل، تتضارب تصريحات الجيش الإسرائيلي حول هذه الاتهامات، فأحيانًا ينفي تلك الأقوال بشكل قاطع ويؤكد أنه "لا يستهدف الأطفال"، وأخرى يبرر لنفسه ذلك بأنه ردًا على الاعتداءات الفلسطينية عليهم، وأحيانًا يدلس، بقوله: "قتلنا الأطفال، لإن الإرهاب كانوا يستخدمونهم كدروع للضربات".
ومن بحر البقر إلى غزة، ومن فصول الدراسة الهادئة إلى أصوات القصف، تتكرر الحكاية ذاتها بأسماء مختلفة، والمتهم واحد، فالطفل، الذي يُفترض أن يكون خارج معادلات الحرب، يصبح في قلبها، وتقتل أحلامهم قبل أن تولد وتدفن معهم، والماضي يتجدد بعد 56 عامًا على مذبحة البقر، اليوم تضرب إسرائيل أطفال لبنان بعد وقف إطلاق النار في الحرب على إيران، وسط تجاهل عالمي لجرائم إسرائيل بحق الأطفال.


