أمريكا وسياسة صدام الحضارات.. هل يسير ترامب على خطى صمويل هنتنجتون؟
بالقرب من نهاية القرن العشرين، وتحديدًا في عام 1993، كتب الفيلسوف والمفكر الأمريكي صمويل هنتنجتون عدة مقالات في مجلة فورين أفيرز بعنوان “صدام الحضارات”، وبعد أن وجد أن هناك تدفقًا فكريًا يمكن أن يتحول إلى نظرية موسعة، صاغه في كتاب يحمل الاسم نفسه في نهاية عام 1996، لتصبح نظرية هنتنجتون حول "صدام الحضارات" أساسًا ومرتكزًا يُستند إليه في تفسير توجهات السياسة الأمريكية في القرن الحادي والعشرين.
(1)
تدور الأطروحة حول فكرة أن نهاية الحرب الباردة أفرزت نظامًا عالميًا جديدًا، وفرضت أسلوبًا مختلفًا يجب أن تتبعه الولايات المتحدة الأمريكية لقيادة هذا النظام، خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، الذي سقط في فخ التفكك إثر استنزافه في الحرب الباردة أولًا، ثم دخوله في مستنقع حرب أفغانستان ثانيًا.
(2)
يرى هنتنجتون أن الصراعات المستقبلية ينبغي أن تنتقل من إطارها الاقتصادي والسياسي إلى الإطار الثقافي والديني، وأن تتجاوز الدول مفهوم التعايش السلمي وبناء الدولة القومية الذي أقرته معاهدة ويستفاليا عام 1648م، إلى سياق حضاري أوسع، سياق يدور حول صراعات لا تستهدف المصالح فقط، بل الهوية الثقافية والحضارية على حد سواء.
(3)
يشير هنتنجتون إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية، لكي تستمر في قيادة النظام العالمي وتظل قوة مهيمنة، لا بد أن تواجه قوى أخرى تدخل معها في حالة صدام مستمر، بحيث تنتقل من مواجهة قوة إلى أخرى، وتحقق الغلبة لضمان البقاء لأطول فترة ممكنة، ولتحقيق ذلك، يرى أن الصراعات ينبغي أن تخرج من إطارها السياسي إلى إطار ديني ثقافي وعرقي، خاصة أن الحضارات الدينية، كالإسلامية والمسيحية، ترفع شعارات كلية من قبيل "إما الكل أو لا شيء"، وهو ما قد يفسر احتمالات الصدام بين حضارات تنطلق من منطلقات متشابهة.
(4)
وعلى الرغم من الانتقادات التي طالت هذه النظرية، والتي رأت أنها توفر مبررات للولايات المتحدة لخلق أعداء في العالم، وتمنحها غطاءً لمهاجمتهم دون الاستناد إلى القانون الدولي والأعراف الدبلوماسية المتعارف عليها، فإنها أصبحت - لدى البعض - إطارًا فكريًا يمكن أن يُقرأ من خلاله سلوك دونالد ترامب، الذي بنى جزءً من استراتيجيته على منطق الصدام، وفتح آفاق مواجهة مع عدة قوى دولية، مستندًا إلى رؤية تقوم على "صناعة العدو" لضمان الاستمرار في موقع القوة.
(5)
وقد كان لأطروحة الفيلسوف الفرنسي ذائع الصيت روجيه جارودي عن "حوار الحضارات" صدٍ واسع حيث تبناها جارودي في علم الجمال، ثم تسربت إلى عالم السياسة الإيرانية على يد خاتمي، ودعا الأمم المتحدة لتبنى أطروحته في عام 2001 وتسمية هذا العام باسم عام "حوار الحضارات"، كرد فعل رافض لمسألة الصدام بين دول العالم، استنادًا على رؤية الولايات المتحدة وصمويل هنتنجتون، على اعتبار أن هذا الطرح يمكنه أن يشكل أرضية مشتركة لتحقيق التعايش السلمي بين الحضارات المختلفة، ومواجهة النزعات الإمبريالية القائمة على التوسع بمنطق القوة والبطش.
(6)
لكن ما يبدو من السياسات الراهنة للولايات المتحدة في ظل رئاسة دونالد ترامب أن الرجل قد اختار الارتكان إلى نظرية الصدام التي طرحها أحد أبناء بلاده؛ وضرب نظرية حوار الحضارات الفلسفية لجارودي والسياسية لخاتمي بنظرية صدام الحضارات الأمريكية لهنتنجتون، إذ تبدو سياساته - سواء خلال فترة رئاسته أو بعدها - أقرب إلى هذا المنظور، لا سيما في ضوء تبنيه خطابًا يبرز التفوق الأمريكي، ويعلي من شأن الهوية الوطنية في مواجهة ما يراه تهديدات خارجية، خاصة من العالم الإسلامي، وبالتحديد من إيران، وكذلك من الصين.
(7)
وعلاوة على ذلك، شدد ترامب على الحفاظ على الهوية الثقافية الأمريكية من خلال تبنيه مواقف متشددة تجاه الهجرة، خاصة من دول عربية، باعتبارها - في نظره - تنتمي إلى خلفيات ثقافية مختلفة عن الثقافة الأمريكية، وكأنه يعلي من تصور يرى العالم من منظور "نحن" في مواجهة "الآخر".
وفي هذا الإطار، أعاد ترامب تعريف "العدو"، فلم يعد مجرد دولة تعادي الولايات المتحدة، بل أصبح يمثل منظومة قيم وهوية تختلف ثقافيًا وحضاريًا عن النموذج الأمريكي، وهو ما يبرر - وفق هذا التصور - تبني سياسات أكثر حدة تجاه هذه الأطراف، في سياق يعكس تحولًا من الصراع السياسي التقليدي إلى صراع ذي أبعاد ثقافية وحضارية أعمق.


