السمسار دونالد
كنت في جلسة مطولة مع الكاتب الصحفي الكبير والإعلامي المخضرم وصديقي العزيز الاستاذ عماد الدين أديب في جلسة طويلة من جلساتي معه، وكالعادة نبشت مستفسرا منه عن آراءه فيما يدور حولنا سياسيا وكعادته أدلي بدلو خارج الصندوق.
وبسؤالي عن تحليله في شخصية دونالد ترامب تحديدا وجدته متحمسا مسترسلا في وصفه من زاوية لم يتناولها قبله احد فإلي هناك:
في السياسة، كما في الأسواق، ثمة رجال يبدون وكأنهم لا يغادرون مهنتهم الأولى مهما تبدّلت مواقعهم، هكذا يظهر Donald Trump، لا بوصفه رئيس دولة تقليديًا، بل كسمسار عقارات كبير نقل مكتبه من ناطحات مانهاتن إلى البيت الأبيض، حاملًا معه منطق الصفقة قبل منطق الدولة، وحساب الربح قبل حساب التاريخ.
منذ دخوله عالم السياسة، لم يتخلَّ ترامب عن عدسته القديمة الأرض ؛ الفرص، والمشروعات. فالعالم في نظره ليس شبكة معقدة من الشعوب والثقافات والمصالح المتشابكة بل خريطة واسعة من “الفرص الاستثمارية” التي تنتظر من يعيد تشكيلها حتى الحروب !! في هذا التصور لا تُقرأ كمآسٍ إنسانية بقدر ما تُرى كمقدمات لمشروعات إعادة إعمار حيث الركام ليس نهاية بل بداية دفتر حسابات جديد.
في هذا السياق، يبرز اسم Jared Kushner، زوج ابنته لا كمستشار سياسي تقليدي بل كموفد يحمل روح المستثمر أكثر مما يحمل خبرة الدبلوماسي ؛ كوشنر القادم من عالم العقارات أيضًا بدا وكأنه الامتداد الطبيعي لرؤية ترامب ؛ رجل يُرسل إلى مناطق النزاع لا ليحل جذورها المعقدة بل ليرسم ملامح “اليوم التالي” — حيث تتحول الخرائط السياسية إلى مخططات عمرانية وتُستبدل لغة السيادة بلغة العقود.
هذا النمط من التفكير يعيد تعريف مفهوم القوة فبدلًا من النفوذ القائم على التحالفات أو القيم يصبح النفوذ قائمًا على القدرة على إعادة البناء أو بالأحرى على احتكار فكرة إعادة البناء ؛ هنا تتحول الدول المنهكة بالحروب إلى مشاريع مفتوحة وتصبح السياسات الخارجية أشبه بعروض استثمارية ضخمة تُطرح فيها الأسئلة بلغة: من سيبني؟ ومن سيموّل؟ ومن سيحصد العوائد؟
غير أن هذا المنظور رغم براغماتيته الظاهرة يطرح إشكاليات عميقة ؛ فإعادة الإعمار ليست مجرد عملية هندسية أو اقتصادية بل هي فعل سياسي وأخلاقي يتصل بالذاكرة والعدالة والسيادة وعندما تُختزل في منطق الصفقة يصبح الخطر قائمًا في أن تتحول معاناة الشعوب إلى “فرص” وأن يُعاد تشكيل البلدان وفق مصالح المستثمرين لا وفق تطلعات سكانها.
في النهاية، قد يكون ترامب قد نجح في فرض أسلوبه الخاص على السياسة الدولية لكنه أسلوب يثير سؤالًا جوهريًا: ماذا يحدث عندما يُدار العالم بعقلية السمسار؟ وهل يمكن للخرائط أن تُرسم من جديد بالرافعات والعقود وحدها دون أن تُؤخذ في الاعتبار القصص التي سُحقت تحت الأنقاض؟
بين السياسة والعقار يقف ترامب في منطقة رمادية حيث تختلط السلطة بالصفقة !!
هكذا كان رأي الاستاذ عماد الدين أديب المدهش دائمًا في تحليلاته وآراءه التي تثير صخبًا رغم هدوءه.


