المسار التجاري عبر مصر.. هل يتحول من "ممر أزمات" إلى بديل استراتيجي دائم للخليج؟
كشفت اضطرابات الملاحة الأخيرة في مضيق هرمز عن ولادة ممر شحن حيوي يربط أوروبا بدول مجلس التعاون الخليجي عبر الموانئ المصرية، حيث تعتمد الرحلة على وصول المقطورات لميناء دمياط، ثم انتقالها برًا إلى سفاجا، لتعبر البحر الأحمر وصولًا إلى السعودية وباقي أسواق الخليج.
وتشير المعطيات الحالية إلى أن هذا المسار لن يكون مجرد حل مؤقت، بل يتجه ليصبح "مسارًا تأمينيًا" ثابتًا تعتمده شركات الشحن العالمية والمستثمرون الخليجيون كبديل استراتيجي لمواجهة أي إغلاقات مستقبلية للممرات المائية التقليدية، وفق تقارير عالمية.
ويوفر هذا الربط لمصر فرصة لتعويض جزء من إيرادات قناة السويس عبر اقتناص حصة من الشحنات العاجلة التي لا تحتمل التأخير.
وأكدت غادة سامي، رئيسة القطاع التجاري بشركة "بان مارين"، أن عنصر السرعة دفع العملاء لتجربة هذا النموذج رغم التردد في البداية، خاصة وأن الطاقة الاستيعابية لخط أوروبا-مصر تصل إلى 420 مقطورة أسبوعيًا، مع تسيير رحلات منتظمة من سفاجا إلى "نيوم" تتسع لنحو 130 شاحنة لكل رحلة، مما يجعله مثاليًا للسلع سريعة التلف وقطع الغيار الصناعية.
كفاءة لوجستية وتدفقات استثمارية خليجية
وساهم استخدام مقطورات سعة 45 قدمًا في رفع كفاءة الشحن مقارنة بالحاويات القياسية، مما ساعد الشركات على خفض مستويات مخزون الأمان وإدارة تدفقاتها النقدية بمرونة أكبر. ولم يقتصر المسار على الواردات فقط، بل أطلقت "بان مارين" مسارات تصديرية عكسية من الخليج إلى الاتحاد الأوروبي وشمال أفريقيا عبر مركزها في دمياط. وتعززت موثوقية هذا الممر مع إعلان مدينة "نيوم" الشهر الماضي أن المسار بات نشطًا ويستخدمه المستوردون فعليًا من الأسواق الأوروبية بانتظام.
وتدعم رؤوس الأموال الخليجية استدامة هذا التوجه، حيث استثمرت مجموعة موانئ أبوظبي نحو 469 مليون دولار في مصر منذ عام 2022، شملت محطة سفاجا ومراكز لوجستية في الإسكندرية وبورسعيد.
ويرى الخبراء أن تحول مصر إلى مركز إقليمي لإدارة المخاطر اللوجستية يجذب الاستثمارات طويلة الأجل، خاصة مع سعي شركات الشحن لتأمين سعات احتياطية مرنة ضمن استراتيجيات سلاسل التوريد الخاصة بها، بدلًا من الاعتماد الكلي على نقاط اختناق ملاحية واحدة.
تحديات التنفيذ وضغوط النقل البري
رغم القوة التجارية للممر، إلا أن استدامته تواجه تحديات تتعلق بمدى انسيابية النقل الداخلي وتوافر الشاحنات، حيث تضاعفت أسعار النقل البري في بعض ممرات الخليج أربع مرات نتيجة زيادة الطلب.
وأوضحت غادة سامي أن توفر الشاحنات يمثل نقطة ضغط رئيسية، إلى جانب الحاجة لتحسين الأداء الحدودي وتفادي التكدس في الموانئ، مؤكدة أن نجاح المسار يعتمد بشكل كبير على موثوقية الجزء البري منه وتناغم الإجراءات الجمركية بين الدول المعنية.
ولعبت التسهيلات الجمركية المصرية، مثل إعفاء شحنات الترانزيت من نظام التسجيل المسبق (ACI) بصفة مؤقتة، دورًا محوريًا في تذليل العقبات. ويرى محللون أن المستقبل لم يعد يعتمد على طريق واحد مهيمن، بل على "شبكة ممرات" توفر خيارات متعددة عند حدوث الأزمات. وفي هذا السياق، تبرز أهمية استمرار الإعفاءات المصرية لجعل المسار منافسًا سعريًا في أوقات السلم، خاصة للبضائع التي لا تتطلب سرعة فائقة ولكنها تبحث عن أمان لوجستي مستدام.






