چينيدي.. رحلة معيدة نحت حوّلت الخردة إلى فن وهوية
داخل أروقة كلية الفنون الجميلة بجامعة أسيوط، يعرفها الجميع باسم "چينيدي"، اسم غير مألوف، لكنه يحمل حكاية خاصة ارتبطت بشخصية شابة وجدت نفسها في عالم النحت، فحوّلت الشغف إلى مشروع حياة، والخردة المعدنية إلى أعمال فنية تحمل رؤى إنسانية وجمالية معاصرة.
من الصدفة إلى الإبداع
إيمان أحمد علي، المعيدة بقسم النحت، لم تخطط يومًا لأن تصبح فنانة تشكيلية، فالتحاقها بكلية الفنون الجميلة جاء بمحض الصدفة، لكن الصدفة سرعان ما تحولت إلى رحلة اكتشاف طويلة، بدأت منذ سنوات الدراسة الأولى، حين شعرت أن الأعمال ثلاثية الأبعاد أقرب إلى روحها من الرسم التقليدي على الورق.
تقول إيمان إن قسم النحت جذبها بسبب تنوعه الكبير، فهو لا يقتصر على التشكيل فقط، بل يجمع بين العمارة والجرافيك والتصوير والخامات المختلفة، وهو ما منحها مساحة واسعة للتجريب والبحث عن ذاتها الفنية.
أما اسم "چينيدي"، فقد أطلقه عليها أحد أساتذتها، الذي كان يرى فيها طالبة مختلفة، كثيرة التواجد في الكلية، شغوفة بالمجال، وتحمل طموحًا خاصًا، ومنذ ذلك الوقت، أصبح الاسم جزءًا من هويتها داخل القسم.
ورغم ارتباطها الكبير بالفن، فإن حلمها الأول لم يكن النحت، بل هندسة الميكانيكا وتصنيع السيارات. إلا أن الظروف الدراسية والعائلية دفعتها إلى الالتحاق بالقسم الأدبي، قبل أن تجد طريقها لاحقًا داخل عالم الفنون، وكأن القدر كان يعيد توجيه حلمها بصورة مختلفة.
ومع مرور الوقت، بدأت إيمان تقترب أكثر من عالم الخامات، ليس باعتبارها أدوات فقط، بل بوصفها لغة للتعبير، وخلال إعداد مشروع تخرجها، واجهتها أزمة ارتفاع تكلفة الخامات التقليدية مثل الرخام والخشب، فاختارت طريقًا مختلفًا: إعادة التدوير.



جمعت بقايا الحديد والخردة من محيطها، واستفادت من الخامات الموجودة في منزل والدها، مدفوعة بدعم عائلتها، خاصة والدتها التي كانت تؤمن بأن الجمال قد يولد من الأشياء المهملة.
ومن هذه التجربة خرج مشروعها الفني الأول بعنوان "ما بينكم"، وهو عمل نحتي يجسد رجلًا وامرأة تتوسطهما دائرة، في إشارة إلى العلاقات الإنسانية وما تحمله من توتر وتوازن في الوقت نفسه، واستخدمت الحديد للتعبير عن الصلابة والصدامات التي قد تنشأ بين الطرفين، بينما أضافت عنصرًا بصريًا مستوحى من آلة الهارب الموسيقية، ليعكس فكرة الانسجام المشترك بينهما.
لاقى المشروع إشادة أكاديمية ومهنية، وفتح أمامها أبوابًا جديدة للتفكير في مستقبلها الفني، خاصة بعد تعيينها معيدة بالقسم.
ومنذ ذلك الوقت، بدأت رحلتها البحثية مع المعادن، خصوصًا خامة الإستانلس ستيل، تحت إشراف الدكتور منصور المنسي، عميد الكلية السابق، الذي وجّهها نحو التخصص والتركيز على خامة واحدة لدراستها بعمق.
درست إيمان خصائص المعدن وتقنيات تشكيله، واطلعت على تجارب فنانين داخل مصر وخارجها، وتعلمت أساليب القص واللحام والتجميع، إلى جانب أهمية الدقة في التشطيب والتنفيذ، خاصة في الأعمال المعدنية كبيرة الحجم.
ولم تتوقف طموحاتها عند حدود الدراسة الأكاديمية، بل تحلم بتنفيذ أعمال ميدانية في الميادين والفراغات العامة، تعبّر عن هوية المكان وتضيف بعدًا حضاريًا للمدينة.



كما تسعى إلى دمج الفن بالتكنولوجيا الحديثة، من خلال استخدام تقنيات الـ CNC والطباعة ثلاثية الأبعاد لإنتاج أعمال فنية معاصرة يمكن توظيفها في التصميم الداخلي والأثاث الفني.
ورغم التحديات الاجتماعية المرتبطة بعمل الفتيات في الورش الصناعية وبيئات الحدادة والخردة، فإن إيمان خاضت التجربة بنفسها، متنقلة بين ورش السبتية وأسواق الحديد، تتعلم من الواقع وتختبر الخامة بيديها.
وترى أن هذه التجارب، رغم قسوتها أحيانًا، كانت من أكثر المراحل التي صنعت شخصيتها الفنية والإنسانية، مؤكدة أن رحلتها مع الفن لا تزال في بدايتها، وأن القادم يحمل الكثير من الأحلام التي تنتظر التنفيذ.


