وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الوِلادَة (الجزء الأول)..
هل أصبحت القيصرية هي القاعدة؟
في السنوات الأخيرة، تحولت الولادة القيصرية من عملية جراحية تُجرى لإنقاذ حياة الأم أو الجنين عند الضرورة، إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للنقاش داخل المجتمع الطبي وخارجه.
وفي مصر تحديدًا، تكشف بيانات المسوح السكانية والصحية عن ارتفاع هائل ومتسارع في معدلات الولادة القيصرية خلال العقود الأخيرة، فبعد أن كانت النسبة تُقدَّر بحوالي 6.6% فقط عام 1994، ارتفعت إلى 10% عام 2000، ثم إلى 28% عام 2008، قبل أن تقفز إلى 52% عام 2014، وصولًا إلى نحو 72% طبقًا لنتائج المسح الصحي للأسرة المصرية عام 2021.
أي أن معدلات الولادة القيصرية في مصر زادت أكثر من عشرة أضعاف خلال أقل من ثلاثة عقود، لتصبح مصر أعلى دولة في العالم في معدلات الولادة القيصرية.
وتكشف الأرقام أيضًا عن تفاوت واضح بين القطاعين الحكومي والخاص، حيث تصل معدلات القيصرية إلى نحو 81% في بعض المنشآت الصحية الخاصة، مقارنة بحوالي 63% في المنشآت الحكومية.
ومن هنا، أصبح ملف الولادة القيصرية يحظى باهتمام متزايد من الدولة المصرية ووزارة الصحة والسكان، في إطار السعي لتعزيز مفهوم “الولادة الآمنة”، ودعم الاستخدام الرشيد للتدخلات الطبية، وتحسين جودة خدمات صحة الأم والطفل، بما يتماشى مع التوجهات العلمية الحديثة والمعايير الدولية.
لكن السؤال الأهم ليس: “هل القيصرية جيدة أم سيئة؟” بل السؤال الحقيقي هو: “متى تكون القيصرية ضرورة طبية؟ ومتى تتحول إلى تدخل غير مبرر؟”.
الحقيقة التي يجب أن يدركها الجميع أن الولادة القيصرية ليست عدوًا، بل على العكس تمامًا، فالقيصرية تُعد واحدة من أعظم الإنجازات في تاريخ الطب، وساهمت في إنقاذ ملايين الأمهات والأطفال حول العالم، خاصة في الحالات التي تصبح فيها الولادة الطبيعية خطرًا على حياة الأم أو الجنين.
وهناك مواقف تكون فيها الولادة القيصرية ضرورة لا نقاش فيها، مثل:
- تعثر الولادة وعدم تقدمها
- معاناة الجنين ونقص الأكسجين
- النزيف الحاد أو المشيمة المتقدمة
- انفصال المشيمة
- حالات تسمم الحمل الشديد
- أوضاع الجنين غير الطبيعية
- بعض حالات التوائم أو الجراحات السابقة بالرحم
وفي هذه الحالات، لا تكون القيصرية رفاهية أو اختيارًا بل قرارًا طبيًا منقذًا للحياة، وهنا يجب أن ننتبه إلى حقيقة شديدة الأهمية، فالحديث عن مخاطر الإفراط غير المبرر في الولادة القيصرية لا يعني أبدًا التقليل من أهمية القيصرية عندما تكون ضرورية.
بل إن التأخر في اتخاذ قرار القيصرية في بعض الحالات قد تكون عواقبه كارثية على الطفل والأسرة بالكامل، ففي بعض حالات تعثر الولادة أو نقص الأكسجين، قد يؤدي التأخير في التدخل الجراحي إلى إصابات خطيرة بالمخ نتيجة نقص وصول الأكسجين، وهو ما قد ينعكس على مستقبل الطفل بالكامل، وليس فقط على لحظة الولادة نفسها.
لأن القضية هنا لا تتعلق فقط بإنقاذ حياة طفل، بل أحيانًا بإنقاذ قدرته على الحركة، والتعلم، والكلام، والعيش بصورة طبيعية لسنوات طويلة قادمة، ومن هنا، فإن الولادة القيصرية في التوقيت الصحيح قد لا تنقذ حياة الطفل فقط، بل قد تنقذ مستقبله بالكامل.
وحذّرت العديد من الأدبيات والتقارير الدولية من الإفراط غير المبرر في بعض التدخلات الطبية، عندما تتحول الإجراءات التي وُجدت لحماية الإنسان وإنقاذ حياته إلى ممارسات تُستخدم خارج نطاق الضرورة الطبية الحقيقية.
وفي هذا السياق، أصبحت قضية التوسع في الولادة القيصرية محل نقاش عالمي واسع، ليس بهدف رفض القيصرية كإجراء طبي مهم ومنقذ للحياة، وإنما لضمان استخدامها في التوقيت الصحيح، وللحالات التي تحتاجها فعلًا، بما يحقق أفضل النتائج الصحية للأم والطفل.
ولذلك، فإن أي خطاب طبي عاقل يجب أن يكون واضحًا: لسنا ضد الولادة القيصرية، بل ضد الإفراط غير المبرر في استخدامها، لأن المشكلة تبدأ عندما تتحول العملية الجراحية الضرورية إلى “روتين”، أو عندما تُجرى بدون داعٍ طبي حقيقي، وهنا تبدأ المخاطر التراكمية التي قد تؤثر على صحة الأم في الحمل الحالي أو الأحمال القادمة.
فالقيصرية، كأي تدخل جراحي، ليست خالية من المضاعفات، خاصة مع تكرارها.
وفي النهاية، يبقى الهدف الحقيقي ليس الانحياز إلى الولادة الطبيعية أو القيصرية كخيار مطلق، بل دعم الاستخدام الرشيد للتدخلات الطبية، وتعزيز مفهوم الولادة الآمنة، وضمان حصول كل سيدة على القرار الطبي الأنسب لحالتها وفقًا للأسس العلمية الحديثة، وبما يحقق أعلى درجات الأمان للأم والطفل.
فالنجاح الحقيقي لأي نظام صحي لا يُقاس فقط بعدد العمليات أو نسب التدخلات، بل بقدرته على تحقيق التوازن بين سلامة الأم، وصحة الطفل، وجودة الحياة للأسرة المصرية.
لكن يبقى السؤال الأهم: كيف وصلت مصر إلى هذه المعدلات غير المسبوقة من الولادة القيصرية؟، ولماذا تراجعت الولادة الطبيعية بهذا الشكل خلال سنوات قليلة؟
هذا ما سنناقشه في الجزء القادم.
أ.د/ عمرو حسن
أستاذ أمراض النساء والتوليد بكلية طب جامعة القاهرة وعضو المجموعة الاستشارية الفنية لمنظمة الصحة العالمية المعنية بتقدير وفيات الأمهات وأسبابها


