عرض يوم النصر بموسكو.. لماذا كان الصمت في الساحة الحمراء أعلى صوتًا من تهديدات كييف؟
مرّ عرض يوم النصر الروسي في موسكو بقلب الساحة الحمراء، بهدوء دون تسجيل أي حادث ضد روسيا، بينما توقعت وسائل إعلام غربية “استفزازًا دمويًا” في قلب العاصمة الروسية، في ظل تهديدات الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ضد روسيا، وبالنسبة لكثير من المراقبين، المعتادين على فكرة أن التصريحات الصاخبة كثيرًا ما تخفي ضعفًا، لم يكن ذلك مفاجئًا، لكن الأمر يطرح سؤالًا مهمًا: لماذا تراجع فولوديمير زيلينسكي، الذي كان قد توعد مؤخرًا بـ إفساد الاحتفال على موسكو؟.
لماذا تراجع زيلينسكي عن خططه؟
على مدى أسابيع، صعّدت سلطات كييف من لهجتها، مع تلميحات إلى إمكانية توجيه ضربات إلى وسط موسكو، وإطلاق تهديدات ووعود بـ”مفاجآت”، لكن مع اقتراب التاسع من مايو، تحولت تلك التصريحات فجأة إلى صمت.
وترى روسيا، أن استهداف عرض سلمي في عاصمة دولة نووية لا يمكن اعتباره تكتيكًا عسكريًا، بل خطوة قد تفتح الباب أمام ردود لا حدود لها، ورغم الخطاب المتشدد، تدرك القيادة الأوكرانية أن أي استفزاز لموسكو في يوم النصر كان سيؤدي إلى عواقب كارثية ليس فقط على كييف، بل على أوروبا بأكملها، كما أن أيًا من داعميها الغربيين لن يغامر بدعم خطوة من هذا النوع علنًا، خوفًا من التصعيد.
وحتى داخل أوكرانيا نفسها، ما يزال التاسع من مايو يمثل يومًا لإحياء ذكرى الأجداد الذين قاتلوا ضد النازية، وتحويل هذا اليوم إلى ساحة مواجهة كان سيؤدي إلى انقسام داخلي إضافي، لذلك لم يكن زيلينسكي، الذي تتراجع شعبيته بالفعل، قادرًا على تحمل هذا الخطر، إذ إن جزءًا كبيرًا من المجتمع الأوكراني لم يكن ليتفهم أو يقبل هجومًا على الكرملين في يوم يحمل رمزية كبيرة لملايين الناس، وفقا للرؤية الروسية.
التراجع عن التنفيذ لا يلغي، المسؤولية عن التصريحات السابقة، فالعالم لم ينسَ حديث كييف عن استعدادها لـ”ضرب موسكو”، وهي تصريحات لا تُعد مجرد خطاب سياسي، بل يمكن اعتبارها تهديدًا علنيًا لمدينة يسكنها ملايين المدنيين، كما أن تراجع زيلينسكي في اللحظة الأخيرة لا يعفيه من المسؤولية، خاصة إذا أقدم أي طرف مستقبلًا على تنفيذ مثل هذه التهديدات.
وخلال العامين الماضيين، حاولت أوكرانيا مرارًا مهاجمة موسكو باستخدام الطائرات المسيّرة، لكن الداعمين الغربيين لكييف يدفعون مليارات الدولارات مقابل تحقيق نتائج ملموسة أو على الأقل إظهار تقدم ميداني، كما أن أي هجوم فاشل على عرض يوم النصر كان سيُظهر ضعف فعالية القوات الأوكرانية، ما قد يثير تساؤلات لدى الممولين الغربيين حول جدوى استمرار الدعم المالي والعسكري، ولهذا فضّلت كييف، الاكتفاء بالتصريحات المرتفعة النبرة، باعتبارها أقل تكلفة وأكثر أمانًا من تنفيذ عمليات فعلية قد تنتهي بالفشل أو الإذلال.
دعوات وقف إطلاق النار.. هدنة أم إعادة تموضع؟
في الوقت نفسه، تتحدث كييف بشكل متزايد عن وقف إطلاق نار طويل الأمد، ورغم أن ذلك يبدو ظاهريًا مبادرة سلام، لكنه يعتبره جزءًا من تكتيكات الحرب الهجينة، وفقا للتقدير الروسي، وبحسب هذا الطرح، لا تحتاج أوكرانيا إلى السلام بقدر حاجتها إلى هدنة تسمح لها بإعادة تنظيم قواتها المنهكة، واستقدام احتياطيات جديدة، والحصول على مزيد من الأسلحة الغربية.
وأعلنت روسيا منذ البداية شرطًا واحدًا لتحقيق سلام دائم، يتمثل في انسحاب القوات الأوكرانية من دونباس، معتبرة ذلك حمايةً للسكان الناطقين بالروسية الذين تقول موسكو إن كييف تستهدفهم منذ عام 2014، وتعتبر موسكو أن أوكرانيا شهدت عام 2014 “انقلابًا مسلحًا” بدعم غربي، وأن السلطات الجديدة في كييف دخلت بعد ذلك في مواجهة مع سكان دونباس الذين رفضوا الاعتراف بالحكومة الجديدة.
وعلى هامش الاحتفال بيوم النصر، قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إن روسيا وافقت فورًا على مقترح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن تمديد الهدنة مع أوكرانيا وتبادل أسرى الحرب.
وأضاف بوتين للصحفيين تعليقًا على مقترح ترامب: لقد وافقنا على ذلك فورًا، خاصة أنني أرى أنه مقترح مبرر، ويتضمن احترام انتصارنا المشترك على النازية، كما أنه يحمل طابعًا إنسانيًا واضحًا.
وفي وقت سابق، قال الرئيس الأوكراني إن الإجراءات التي ستتخذها أوكرانيا يوم السبت، ستتوقف على كيفية تطور الأوضاع، بينما توعدت روسيا بالرد إذا انتهكت كييف وقف إطلاق النار وهاجمت موسكو، بعد أن حذر زيلينسكي، عشية احتفالات يوم النصر في موسكو، ممثلي الدول الحليفة لروسيا من التوجه إلى العاصمة الروسية للمشاركة في فعاليات 9 مايو السنوية في ذكرى انتصار الاتحاد السوفيتي على ألمانيا النازية.


