قانون الأسرة بين حقوق المرأة والمصلحة الفضلى والاختطاف الرمزي للحركة النسوية
تحوّل النقاش حول قانون الأحوال الشخصية في مصر خلال السنوات الأخيرة إلى مساحة استقطاب حاد، يغلب عليها أحيانًا منطق الشعارات أكثر من البحث الجاد عن أفضل صيغة لاستقرار الأسرة والطفل، فبمجرد الاقتراب من قضايا مثل سن الحضانة أو الاستضافة أو توسيع السلطة التقديرية للقاضي، يتحول النقاش سريعًا إلى اتهامات جاهزة بالرجعية أو العداء للمرأة، وكأن أي مراجعة قانونية أصبحت مساسًا بمكتسبات لا يجوز الاقتراب منها.
وهنا تكمن المشكلة الأساسية
لأن قانون الأسرة ليس قانونًا لفئة اجتماعية بعينها، ولا ساحة لتسجيل الانتصارات الرمزية بين الرجال والنساء، بل إطار ينظم علاقة معقدة بين أب وأم وطفل وأسرتين ومجتمع كامل، ولذلك فإن اختزال الملف كله في مفهوم حقوق المرأة وحده يخلق تشوهًا حقيقيًا في فهم طبيعة القضية.
الحركة النسوية المصرية تاريخيًا لم تبدأ أصلًا من ملف الحضانة أو ترتيب الرعاية بعد الطلاق، هدى شعراوي ناضلت من أجل حق المرأة في التعليم والمشاركة العامة، سيزا نبراوي دافعت عن حضور المرأة في المجال العام والعمل الفكري، درية شفيق خاضت معارك تتعلق بالحقوق السياسية والتمثيل النيابي، وحتى عالميًا، كانت شخصيات مثل ماري وولستونكرافت وروزا باركس وإليانور روزفلت تتحدث عن إزالة التمييز ضد المرأة بوصفها مواطنة كاملة الأهلية.
هذه كانت معارك حقوقية واضحة: امرأة تريد أن تتعلم، وأن تعمل، وأن تشارك في المجال العام دون تمييز.
لكن الأحوال الشخصية تختلف بطبيعتها عن هذه الملفات، فهي لا تنظم علاقة بين فرد والدولة، بل تنظم شبكة معقدة من العلاقات الإنسانية يدخل فيها طفل هو الطرف الأكثر هشاشة وتأثرًا بأي خلل، ولذلك فإن تحويل الملف إلى معركة أيديولوجية بين حقوق الرجل وحقوق المرأة يؤدي تدريجيًا إلى اختفاء الطفل نفسه من المشهد، رغم أنه محور القضية الأصلي.
ومن هنا ظهر ما يمكن وصفه بحالة الاختطاف الرمزي للحركة النسوية؛ حيث يُستخدم الرصيد التاريخي المحترم للنضال النسوي لإغلاق أي نقاش حول ترتيبات الحضانة أو دور الأب بعد الانفصال، وكأن مجرد التساؤل: ما الأنسب نفسيًا واجتماعيًا للطفل؟ أصبح اعتداءً على تاريخ الحركة النسوية نفسها.
لكن اللافت أن النسوية العالمية نفسها لم تكن يومًا كتلة واحدة في هذا الملف، فقد دافعت الناشطة النسوية الأمريكية كارين ديكرو، الرئيسة الوطنية الرابعة لمنظمة «ناو» أكبر منظمة نسوية في الولايات المتحدة عن الحضانة المشتركة بعد الطلاق، معتبرة أن إشراك الأب الفاعل في حياة أطفاله ليس انتقاصًا من حقوق المرأة، بل شرط أساسي لتحررها الحقيقي، والأهم أن كثيرًا من الطروحات التي دافعت عنها ديكرو وُوجهت في البداية بالرفض والتهميش، قبل أن تتحول لاحقًا إلى اتجاهات أكثر قبولًا داخل السياسات الأسرية الحديثة.
الأغرب أن بعض الخطابات تتعامل مع مفهوم المرأة بصورة انتقائية للغاية، فالأم تُطرح باعتبارها صاحبة الحق المطلق، بينما الجدة وهي امرأة أيضًا يتراجع حضورها، والعمة وهي امرأة كذلك تكاد تختفي من الصورة، كما يُنظر أحيانًا إلى زوج الأم باعتباره أمرًا طبيعيًا، بينما تتحول زوجة الأب تلقائيًا إلى مصدر تهديد دائم، رغم أنها امرأة أيضًا.
العالم نفسه تغيّر بصورة كبيرة في طريقة نظره للأسرة بعد الانفصال، كثير من الدول لم تعد تتعامل مع الحضانة بمنطق من يملك الطفل، بل بمنطق كيف نحافظ على أقل قدر ممكن من التمزق النفسي والاجتماعي للطفل، ولذلك توسعت نماذج الرعاية المشتركة، والمرونة القضائية، وتقليل القطيعة بين الطفل وأحد أبويه.
أما في مصر، فقد تحولت بعض التفاصيل القانونية، خصوصًا سن الحضانة، إلى ما يشبه “التابو السياسي والاجتماعي”، وأصبح مجرد الاقتراب من الفكرة أو اقتراح مراجعتها يُعتبر لدى البعض ردة أو عدوانًا على الحداثة.
وهنا جاءت أهمية مشروع حزب العدل للأحوال الشخصية، لأنه اقترب من هذه المنطقة الحساسة مباشرة، وطرح سؤالًا بسيطًا: هل ما نطبقه اليوم يحقق فعلًا أفضل مصلحة نفسية واجتماعية للطفل؟ وهل القطيعة الطويلة مع الأب خلال سنوات التكوين الحساسة أمر صحي لمجرد أنه أصبح معتادًا؟
هذه الأسئلة أزعجت كثيرين، ليس لأنها بلا منطق، بل لأنها مست منطقة تم التعامل معها طويلًا باعتبارها خارج النقاش أو مكتسب.
لكن الحداثة الحقيقية لا تعني تجميد المجتمع أو تحويل الاجتهادات القانونية إلى نصوص مقدسة، الحداثة تعني القدرة على مراجعة القوانين مع تغيّر المجتمع والواقع النفسي والاجتماعي للأسرة.
فالطفل في النهاية ليس غنيمة طلاق، وليس امتدادًا قانونيًا لطرف ضد آخر، بل إنسان كامل يحتاج إلى قدر من التوازن النفسي والعاطفي والاستقرار الأسري، حتى بعد الانفصال.
ولهذا فإن القضية الحقيقية ليست: من انتصر للرجل ومن انتصر للمرأة؟ بل: هل نملك الشجاعة للانتقال من منطق الصراع إلى منطق المصلحة الفضلى للطفل؟
هذا هو السؤال الذي يجب أن يشغل أي نقاش جاد حول قانون الأسرة، وما عداه يبقى مجرد ضجيج أيديولوجي لا يبني أسرة مستقرة ولا يحمي طفلًا.


