الأربعاء 13 مايو 2026
More forecasts: Wetter 4 wochen
رئيس التحرير
محمود المملوك
أخبار
حوادث
رياضة
فن
سياسة
اقتصاد
محافظات
محافظات

ويسألونك عن الولادة (الجزء الثاني)

الأربعاء 13/مايو/2026 - 12:50 ص

كيف أصبحت القيصرية الاختيار الأول؟ ولماذا تراجعت الولادة الطبيعية في مصر؟

وصلت معدلات الولادة القيصرية في مصر إلى مستويات غير مسبوقة، لتصبح مصر أعلى دولة في  العالم في هذا المؤشر.

لكن السؤال الأهم: هل ما يحدث مجرد تطور طبيعي في الممارسة الطبية؟ أم أننا أمام تحول أعمق في ثقافة ومفهوم الولادة نفسها؟

الحقيقة أن القضية لم تعد مجرد زيادة في أعداد العمليات القيصرية.. بل أصبحت انعكاسًا لتغيرات مجتمعية وثقافية وطبية واقتصادية وقانونية معقدة، تراكمت عبر سنوات طويلة.

وفي هذا الجزء، نحاول أن نفهم: كيف وصلت المنظومة إلى هذه النقطة؟ ولماذا تراجعت الولادة الطبيعية بهذا الشكل خلال سنوات قليلة؟

فطبقًا لنتائج المسح الصحي للأسرة المصرية لعام 2021، وصلت نسبة الولادة القيصرية في مصر إلى نحو 72%، بعد أن كانت تقارب 10% فقط عام 2000، أي أنها زادت أكثر من سبعة أضعاف خلال عقدين فقط.

والحقيقة التي تؤكدها الأدبيات العلمية ومنظمة الصحة العالمية هي أن زيادة معدلات القيصرية لا تعني بالضرورة رعاية صحية أفضل، بل إن الاستخدام غير المبرر للتدخلات الطبية قد يتحول مع الوقت إلى تحدٍ صحي جديد، خاصة أن مصر تشهد ما يقرب من مليوني ولادة سنويًا، مما يجعل ملف الولادة الآمنة قضية صحة عامة تمس ملايين الأسر المصرية كل عام.

ولذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: “من المخطئ؟” بل: “كيف وصلت المنظومة كلها إلى هذه النقطة؟”

فالحقيقة أن تجربة الولادة نفسها تغيّرت كثيرًا عن الماضي، وتغيّرت معها نظرة المجتمع إلى الولادة الطبيعية، وطريقة تعامل السيدات والأسر وحتى المنظومة الصحية معها.

فالخوف من الألم أصبح أكبر، والقلق من المضاعفات أصبح حاضرًا بقوة، كما أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي تنقل يوميًا قصصًا وتجارب فردية، بعضها حقيقي وبعضها مبالغ فيه، مما خلق حالة عامة من الخوف والقلق لدى كثير من السيدات تجاه الولادة الطبيعية.

وفي المقابل، بدأت بعض السيدات تنظر إلى القيصرية باعتبارها خيارًا أكثر راحة، أو أكثر أمانًا، أو أكثر قدرة على التحكم في توقيت الولادة.

كما لا يمكن تجاهل أن بعض السيدات أصبحن يحملن مخاوف متزايدة تتعلق بتأثير الولادة الطبيعية على عضلات الحوض أو العلاقة الزوجية بعد الولادة، خاصة مع انتشار كثير من المعلومات غير الدقيقة أو المبالغ فيها عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وفي بعض الأحيان، تتحول هذه المخاوف إلى عامل نفسي مؤثر في اتخاذ قرار الولادة، رغم أن كثيرًا من هذه التصورات يحتاج إلى مناقشة علمية أكثر هدوءًا وتوازنًا.

كما لعبت بعض العوامل المجتمعية والصحية دورًا إضافيًا في تعقيد الصورة، مثل:
-زيادة متوسط عمر الحمل
-ارتفاع معدلات السمنة والأمراض المزمنة
-زيادة حمل الحقن المجهري
-ارتفاع نسب الحمل عالي الخطورة
وهي عوامل جعلت بعض حالات الحمل أكثر تعقيدًا مما كانت عليه في الماضي.

وفي الوقت نفسه، يعمل الأطباء داخل منظومة شديدة الضغط والتعقيد،فالولادة الطبيعية قد تستغرق ساعات طويلة من المتابعة الدقيقة والقلق المستمر، وقد تتحول في أي لحظة إلى حالة طارئة تحتاج تدخلًا سريعًا لإنقاذ الأم أو الجنين.

وفي عصر أصبحت فيه المضاعفات الطبية تُناقش يوميًا على مواقع التواصل الاجتماعي، وأصبح الطبيب مهددًا أحيانًا بالتشهير أو الاتهامات أو القضايا القانونية عند حدوث أي مضاعفات، حتى لو كانت معروفة طبيًا وغير ناتجة عن خطأ، أصبح كثير من الأطباء يميلون إلى اختيار ما يرونه “الخيار الأكثر أمانًا قانونيًا”.

وهنا تظهر واحدة من أخطر القضايا الحديثة في الممارسة الطبية: “الطب الدفاعي”، أي أن بعض القرارات الطبية قد تُتخذ أحيانًا بدافع تجنب المخاطر القانونية أو المجتمعية، وليس فقط بناءً على العامل الطبي المجرد.

لذلك، فإن اختزال القضية في فكرة أن “الأطباء يفضلون القيصرية” هو تبسيط مخلّ لا يعكس الواقع الكامل بكل تعقيداته.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن إنكار أن الإفراط غير المبرر في القيصرية أصبح تحديًا حقيقيًا يحتاج إلى مراجعة علمية هادئة ومسؤولة، توازن بين حق الأم في الأمان، وحق الطبيب في ممارسة آمنة، وحق المجتمع في رعاية صحية قائمة على الأسس العلمية السليمة.


وهنا يجب أن نؤكد على نقطة شديدة الأهمية: فالولادة القيصرية ليست فشلًا… كما أن الولادة الطبيعية ليست بطولة.
لأن القضية في النهاية لا تتعلق بالانتصار لطريقة ولادة على حساب أخرى، بل بضمان حصول كل سيدة على القرار الطبي الأنسب لحالتها، في التوقيت المناسب، وبأعلى درجات الأمان لها ولطفلها.

فحتى مع التخطيط للولادة الطبيعية، قد تطرأ أثناء المخاض ظروف تستدعي التدخل الجراحي السريع حفاظًا على سلامة الأم أو الجنين.

لكن رغم كل هذه التعقيدات، تبقى الحقيقة الأهم: أن ارتفاع معدلات القيصرية ليس قدرًا لا يمكن تغييره، فالكثير من دول العالم واجهت المشكلة نفسها، ونجحت تدريجيًا في تحسين معدلات الولادة الطبيعية، ليس عبر الهجوم على الأطباء أو تخويف السيدات، بل من خلال إصلاحات علمية حقيقية

وفي هذا الإطار، تُبذل خلال السنوات الأخيرة جهود متزايدة من الدولة المصرية ووزارة الصحة والسكان لإعادة بناء ثقافة “الولادة الآمنة”، من خلال دعم المبادرات القومية لصحة الأم والطفل، والاهتمام بتطوير خدمات الرعاية أثناء الحمل والولادة، وتعزيز الاستخدام الرشيد للتدخلات الطبية وفقًا للأسس العلمية الحديثة، كما بدأت وزارة الصحة والسكان في دعم تطبيق عدد من الأدوات العلمية الحديثة داخل بعض المؤسسات الصحية، مثل استخدام “البارتوجرام” لمتابعة تطور الولادة الطبيعية، وتطبيق تصنيف “روبسون” لتحليل أسباب الولادات القيصرية ومتابعة معدلاتها بصورة أكثر دقة، في إطار السعي لتحسين جودة الرعاية وتنظيم استخدام التدخلات الطبية وفقًا للمعايير العلمية الحديثة.

السؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل تراجعت الولادة الطبيعية بسبب الطب فقط… أم لأن كثيرًا من النساء أصبحن يخشينها من الأساس؟
وكيف تحولت الولادة الطبيعية في نظر البعض من تجربة فسيولوجية طبيعية إلى تجربة خوف وقلق وألم؟
هذا ما سنناقشه في الجزء القادم…

وللحديث بقية…

تابع مواقعنا