المنتفع والناقم والسلبي.. كيف فجّر حديث النائب مهاب مجاهد ملف الغش بالثانوية العامة؟
لم يكن حديث النائب الدكتور مهاب مجاهد، عضو مجلس الشيوخ، عن الغش في الثانوية العامة مجرد مداخلة عابرة خلال كلمة ألقاها بحضور وزير التعليم محمد عبد اللطيف، بل أعاد فتح واحد من أكثر الملفات حساسية قبل انطلاق الامتحانات بأسابيع، بعدما وصف الظاهرة بأنها قضية أمن قومي، محذرًا من تأثيرها على تكوين شخصية جيل كامل، وليس فقط على نتائج الامتحانات.
حديث مجاهد، الذي تداولته صفحات أولياء الأمور والمعلمين على نطاق واسع، أعاد النقاش من جديد حول تحوّل الغش من مجرد مخالفة تعليمية إلى أزمة مجتمعية تتداخل فيها التكنولوجيا والضغوط النفسية وثقافة المجموع وضعف الردع.
مهاب مجاهد يفتح ملف الغش: 3 شخصيات تهدد المجتمع
خلال كلمته باللجنة العامة لمجلس الشيوخ أمس، قال النائب الدكتور مهاب مجاهد إن أخطر ما تتركه ظاهرة الغش ليس تسريب الأسئلة أو ضياع الدرجات، بل الشخصيات التي تنتج عنها داخل المجتمع "منتفع، وسلبي وناقم".
وشرحًا للشخصيات الثلاثة، قال مجاهد إن الطالب المنتفع يكبر وهو مقتنع أنه فوق القانون، بينما يتحول الطالب الذي يشاهد الغش دون قدرة على الاعتراض إلى إنسان سلبي فقد الثقة، في حين يصبح الطالب الذي ضاع حقه ناقمًا على المجتمع والقانون، مضيفًا: الغش مش مجرد درجات.. دي قضية أمن قومي لأنها بتهدم مجتمع بالكامل.
وعن الحلول، طالب النائب باستخدام كاميرات ذكية وتقنيات حديثة قادرة على رصد السماعات الإلكترونية داخل اللجان، مؤكدًا أن الأزمة ليست أزمة إمكانيات، لكنها أزمة إرادة وإدارة.
تعبنا وفي الآخر نتظلم.. أولياء أمور وطلاب يصرخون: العدالة غائبة
حديث النائب البرلماني وجد صدى واسعًا بين الطلاب وأولياء الأمور، خاصة مع اقتراب امتحانات الثانوية العامة، حيث يقول محمد أحمد، أحد طلاب الثانوية العامة: إحنا بنتعب طول السنة، وفي الآخر بنتظلم في التنسيق بسبب السماعات، ويدخل مكان اللجان، واحد ميستحقش، ويوافقه الرأي، عدد من الطلاب الذين يرون أن أخطر ما في الظاهرة هو شعور المجتهد بأن تكافؤ الفرص لم يعد قائمًا، وأن الالتزام وحده قد لا يكون كافيًا لضمان حقه.
ومن الطلاب لأولياء الأمور الذين ينقلون معاناة أبنائه، تقول إحدى أولياء الأمور: بنتي كانت ثانوية 2025 ومش عارفة تتجاوز اللي حصل، وبقت ناقمة ومريضة نفسيًا من ساعة النتيجة، فيما يشير أولياء الأمور إلى أن الغش أول تجسيد حقيقي للظلم والفساد، لأنه يقتل فكرة نجاح المجتهد، ومقولة لكل مجتهد نصيب.
من السماعات إلى غرف العمليات.. كيف تطورت أدوات الغش؟
الجدل المتصاعد حول تصريحات مهاب مجاهد أعاد كذلك تسليط الضوء على التطور الكبير في وسائل الغش الإلكتروني داخل اللجان، فخلال امتحانات العام الماضي، كشف الدكتور عماد سلامة عيسوي، استشاري الأنف والأذن والحنجرة، عن استقباله 16 حالة لطلاب استخدموا سماعات بلوتوث دقيقة داخل اللجان، علِق بعضها داخل القناة السمعية، ووصل الأمر في بعض الحالات إلى تدخل جراحي تحت التخدير الكلي.
فيما، أثار مقطع فيديو متداول لطالب يحاول استخراج سماعة غش من أذنه باستخدام ملقاط معدني تفاعلًا واسعًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما ظهر الطالب معلقًا على الواقعة بقوله: “جت سليمة”، وهو ما يراه الخبراء أنه يعكس تحوّل الغش من ممارسة سرية إلى سلوك أكثر علنية، في ظل انتشار أدوات دقيقة يصعب اكتشافها داخل اللجان.
سوق مفتوحة للغش.. من تيك توك إلى جروبات تليجرام
ولم تعد أدوات الغش تُباع بشكل سري أو محدود، بل تحولت إلى سوق متنامية عبر منصات التواصل الاجتماعي، فيما تنشط صفحات على تيك توك وفيس بوك وإنستجرام، إلى جانب مجموعات مغلقة على تليجرام، في الترويج لسماعات دقيقة ونظارات ذكية مخصصة لطلاب الثانوية العامة.

وبحسب ما يتم تداوله عبر هذه الصفحات، تتراوح أسعار السماعات بين ألف و3 آلاف جنيه، فيما تصل أسعار بعض النظارات الذكية إلى 2500 جنيه، فيما كانت المفاجأة التي أظهرها منشور متداول لدخول بعض أولياء الأمور أنفسهم إلى مجموعات بيع السماعات، بحثًا عن وسائل تساعد أبناءهم خلال الامتحانات.

خبير تكنولوجي: التفتيش التقليدي لم يعد كافيًا
حول هذه الأزمة، يقول خبير تكنولوجيا المعلومات، الدكتور محمد عزام، إن بعض السماعات المستخدمة حاليًا يصعب اكتشافها حتى بأجهزة التفتيش الدقيقة، موضحًا أن بعضها يتصل بشرائح اتصال أو ساعات ذكية مخفية، موضحًا أن مواجهة هذه الوسائل تتطلب حلولًا استباقية، على رأسها استخدام أجهزة تشويش وقطع شبكات الاتصال داخل اللجان، قائلًا: لو تم منع الشبكات بشكل كامل داخل اللجنة، معظم أساليب الغش الإلكتروني هتقع، وهو مقترح تم رفضه وفقًا لمصادر، أكدت صعوبة تنفيذه.
هل أصبحت الثانوية العامة نفسها جزءًا من الأزمة؟
ويربط خبراء التربية بين تصاعد الظاهرة وبين طبيعة الثانوية العامة باعتبارها سنة مصيرية تحدد مستقبل الطالب بالكامل، حيث يقول الدكتور تامر شوقي، أستاذ علم النفس التربوي، أن تضخيم فكرة الثانوية العامة يدفع بعض الطلاب للبحث عن أي وسيلة تضمن النجاح، حتى لو كانت غير قانونية أو تنطوي على مخاطر صحية.

كما يشير مختصون إلى أن الضغط النفسي الواقع على الطلاب، إلى جانب ثقافة المجموع، والتوقعات المرتفعة من الأسر، كلها عوامل تدفع بعض الطلاب نحو الغش.
وزير التعليم: الثانوية ضغط يخففه البكالوريا
وفي هذا السياق، أقر وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف بأن نظام الثانوية العامة الحالي يمثل عبئًا وضغطًا نفسيًا كبيرًا على الطلاب وأسرهم، لاعتماده على الفرصة الواحدة، مشيرًا إلى أن نظام البكالوريا المصرية يستهدف تقليل هذا الضغط عبر تعدد المسارات التعليمية.
البرلمان يطالب بردع أكبر.. والحكومة تتحرك
ومع تصاعد الجدل، طالبت النائبة سناء السعيد، عضو لجنة التعليم بمجلس النواب، بتعاون أوسع بين وزارات التعليم والداخلية والاتصالات لمواجهة الظاهرة.

وقالت: لو سِبنا الغش يتمدد بالشكل ده، هنلاقي نفسنا قدام طبيب غشاش ومهندس غشاش.. ودي كارثة على المجتمع كله، مضيفة أن مواجهة الظاهرة تتطلب منظومة متكاملة تشمل التشويش على السماعات، وتأمين اللجان، وملاحقة شبكات بيع الأدوات الإلكترونية.
وفي السياق نفسه، كان الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال اجتماع مع رئيس الوزراء ووزير التربية والتعليم، على ضرورة التعامل بحزم مع حالات الغش، وتغليظ العقوبات ضد المتورطين في تسريب الامتحانات أو تسهيل الغش، وهو ما علق عليه وزير التعليم خلال جلسة مجلس الشيوخ، بقوله: الوزارة اتخذت إجراءات جادة وحاسمة لضمان نزاهة الامتحانات وتحقيق تكافؤ الفرص بين الطلاب.

وينص القانون رقم 205 لسنة 2020 على عقوبات تصل إلى السجن 7 سنوات وغرامات تصل إلى 200 ألف جنيه بحق مروجي أو ناشري أسئلة الامتحانات، فضلًا عن حرمان الطالب من الامتحان واعتباره راسبًا حال ثبوت الغش أو الشروع فيه.

وفي السياق الأمني لمواجهة بائعي السماعات، كثفت وزارة الداخلية حملاتها ضد شبكات بيع أدوات الغش الإلكتروني، حيث تم ضبط وقائع لإدارة نشاط من داخل مراكز صيانة استُخدمت كغطاء لترويج سماعات دقيقة وكاميرات خفية وأجهزة تتبع.
إجراءات استباقية وتشديد رقابي قبل وأثناء الامتحانات
وفي سياق الإجراءات الحكومية الجديدة، لمواجهة ظاهرة الغش داخل لجان الثانوية العامة، أكدت مسؤولة بوزارة التربية والتعليم أن هناك توجهًا لتعزيز الإجراءات الاستباقية قبل وأثناء الامتحان، بما يضمن إحكام السيطرة على أي محاولات للتحايل أو إدخال أجهزة إلكترونية.
وقالت المسؤولة إن العقوبات القانونية المتعلقة بالغش، ومنها الحرمان من الامتحان لمدة قد تصل إلى عامين، ليست جديدة ويتم تطبيقها بالفعل، لكنها شددت على أن التحدي الحقيقي يتمثل في الإجراءات الوقائية قبل دخول اللجان، مضيفة: فيه إجراءات أكثر حسمًا في التفتيش قبل دخول اللجان، تكون دقيقة وموجهة لكشف أي أجهزة إلكترونية قد يحاول الطالب إدخالها بغرض الغش الإلكتروني.

وأوضحت أن خطة الوزارة تشمل عدة محاور تبدأ من محيط اللجنة الامتحانية نفسها، من خلال تحقيق الهدوء والانضباط حول حرم اللجنة، ومنع تواجد أولياء الأمور أو أي تجمعات قد تؤثر على سير العملية الامتحانية، وذلك بالتنسيق مع الجهات المعنية.
كما أشارت إلى أن هناك تشديدًا على إجراءات التفتيش الدقيق للطلاب قبل الدخول إلى اللجان، إلى جانب تطوير منظومة المتابعة داخل اللجان نفسها، مؤكدًا أن الوزارة تعمل كذلك على تحديث شامل لنظام كاميرات المراقبة داخل اللجان الامتحانية، بحيث يتم تحديث منظومة المراقبة بشكل كامل، بما يسمح بمتابعة مستمرة لأي خروج عن القواعد المنظمة للامتحانات، والتعامل الفوري مع أي محاولات غش أو إخلال بالانضباط داخل اللجنة.
واختتمت المصادر تصريحاتها بالتأكيد على أن الهدف من هذه الإجراءات هو ضمان بيئة امتحانية أكثر انضباطًا وعدالة، والحد من أي محاولات غش إلكتروني قبل أن تبدأ داخل اللجان، وهو ما أشار إليه الدكتور مهاب مجاهد، بقوله: حين يشعر الطالب أن حقه قد يُسرق أمام عينه دون حماية، فإننا لا نواجه غشًا فقط، بل نواجه أزمة ثقة في العدالة نفسها.


