نحن وشات جي بي تي 14.. وسائل التواصل الروبوتي بدل الاجتماعي
ما هي السوشيال ميديا العضوية، هل نحن بصدد إعلان الوفاة السريرية للإنترنت الذي عرفناه؟ هل سيبحث القارئ قريبًا عن ملصق بشري عضوي بنسبة 100%' على المقالات والفيديوهات قبل أن يستهلكها، هربًا من التسمم المعلوماتي الذي تسببه وجبات السوشيال ميديا السريعة المطهوة في أفران الذكاء الاصطناعي.
تأملوا ما يحدث في يوتيوب نحن أمام ما أسميه الفيديوهات المولدة بالذكاء الاصطناعي- الزومبي؛ حيث قنوات كاملة تُدار عبر منظومة آلية صماء: النص يكتبه ChatGPT، الصوت تنفخ فيه الروح ElevenLabs، والمشاهد تُركب آليًا لخدمة خوارزمية التوصية.
فحدث التحول الخطير في القيمة المعرفية، حيث انتقل الهدف من إثارة دهشة إنسانية، إلى تحقيق أعلى نقاط انتباه لتحصيل الأرباح الإعلانية، ما يحول المحتوى المرئي إلى مجرد ضجيج بصري بلا روح، حيث تُقتل الحقيقة والجمال على مذبح الأتمتة.
التواصل الروبوتي
لم يعد سرًا أن ما نسميه وسائل التواصل الاجتماعي قد أصبحت فعليًا وسائل تواصل روبوتي، لقد انتقلنا من فضاء التفاعل البشري العفوي إلى استيطان برمجِي للمساحات التي كانت مخصصة للوعي الإنساني.
في هذا العالم الجديد، لم يعد الإعجاب أو التعليق دليلًا على وجود إنسان، بل هي حركات آلية تقوم بها جيوش من البوتات لهندسة الرأي العام أو رفع قيم تسويقية وهمية، ونحن نعيش في غرفة صدى تسكنها أصداء برمجية انتحلت هويتنا الرقمية، لتقدم لنا وعيًا مشوهًا ومعدًا سلفًا في مختبرات الخوارزميات، ويتحول الإنترنت إلى صحراء سيليكون تعوي فيها الخوارزميات لبعضها البعض، بينما ينسحب الإنسان إلى مساحات أكثر ضيقًا لكنها أكثر صدقًا.
الاقتصاد الدائري للروبوتات
هنا نصل إلى جوهر الأزمة وهي الاقتصاد الدائري للروبوتات، إذ ندخل عصرًا تكتمل فيه الدورة بعيدًا عن البشر، حيث تلعب الروبوتات دور المنتج والمستهلك في آن واحد: فالإنتاج الآلي يتم من خلال بوتات تنشئ محتوى بسرعة تفوق قدرة البشر بآلاف المرات، بالمقابل الاستهلاك الآلي يضم جيوش من البوتات Bots تقوم بالمشاهدة والنقر لرفع التريند، والنتيجة الكارثية يصبح البشر مجرد ضيوف هامشيين في شبكة كانت ملكهم، حيث يُصمم المحتوى ليرضي معايير الأتمتة لا ذائقة البشر.
الإنترنت الميت
عندما تشير البيانات إلى أن الذكاء الاصطناعي ابتلع ثلث الإنترنت، فنحن نتحدث عن تزييف الانتباه. استهداف انتباه الروبوتات يعني حتمًا تدهور المعايير الجمالية والمعرفية، فالآلة لا تملك حاسة التمييز بين الحق والباطل؛ هي تهتم فقط بنقاط البيانات، وبالتالي سيؤدي هذا الابتلاع إلى جعل المحتوى البشري مجرد إبرة في كومة قش من الهلوسات الخوارزمية. والخلاصة الاستشرافية هي العودة إلى الإنسان.
إذا استمر هذا التوجه فإننا سنشهد هجرة بشرية عكسية كبرى، سيهجر الناس منصات التواصل الملوثة بالآلية، ليبحثوا عن المجتمعات المغلقة والمنصات الموثقة بحثًا عن نبض إنساني حقيقي، وفي المستقبل القريب ستكون البصمة البشرية هي العملة الأغلى، وسيكون الخطأ البشري دليلًا على الصدق في عالم من الكمال الزائف.


