حجة الجدة نوال
جزء كبير ومهم من عظمة المصريين بيتمثل في الناس البركة اللي موجودين وسطنا، وفيهم أصالة وخير وجدعنة من بتوع زمان.. مش أي ناس وخلاص.. لأ.. أقصد تحديدًا الجدود، والجدات.. طيف من رقة، وسماحة قلب ونفس متجسدة في إنسان لو تطول تشيله فوق راسه هتعمل كده بدون تردد، وبمجرد ما تفتكر أي ذكرى له في بالك لو كان متوفي غالبًا بتكون ذكرى حلوة فيها من طيبته.. زي الست نوال كده.. الست نوال سيدة مصرية أصيلة عنها حوالي 80 سنة في واحدة من محافظات الدلتا، وغالبًا ماكنش ليها نصيب من التعليم لكن نصيبها كله أخدته زي معظم جدودنا في فطرتها البيضا.. من فترة زمان، وفجأة زوجة ابنها نبيل اتوفت بدون أي مقدمات.
المشكلة إن زوجة الابن لما اتوفت سابت وراها 3 أطفال!.. هنا ظهرت جدعنة الجدة الست نوال اللي قررت وبدون تردد إنها تراعي الـعيال وتتولي هي تربيتهم.. طب يا ستي هتقدري!.. آه هقدر وربنا هو اللي بيعين ويقوي.. الست نوال طلبت كمان من ابنها نبيل إنه يتجوز مرة تانية عشان مايبقاش عايش باقي حياته وحيد.. الابن سمع كلام والدته واتجوز، وهي نفذت وعدها وشالت ولاد ابنها في عينيها كإنها أمهم بالظبط.
نبيل ربنا رزقه بـ3 أولاد تانيين من مراته الجديدة.. تتكرر الصدمة تاني، وزوجته التانية تتوفى هي كمان!.. للمرة التانية الست نوال بمنتهي الجدعنة اللي في الدنيا تقرر تربيهم عندها عشان يبقى مجموع الأحفاد اللي بتربيهم 6 أحفاد!.. حِمل تقيل ومش كتير يستحملوه خصوصًا في السن ده.. بس هي نفذت مهمتها على أكمل وجه وكبر الأحفاد يوم بعد التاني وسنة ورا التانية واتعلقوا بيها وبقوا بيشوفوا فيها صورة أمهاتهم اللي الموت خطفهم بدري.. كانت بتدعهم ماديًا في كل طلباتهم، ودراستهم وعمرها ما قصرت معاهم في أي حاجة.. محمد الحفيد الأكبر بيقول عن جدته في حوار صحفي: عمرها ما قالت لطلب لأ معييش.. الأحفاد وقفوا على رجليهم، وكبر جواهم مكانة وغلاوة جدتهم نوال.. لما حبوا يردولها جزء من اللي عملته عشانهم قرروا يجمعوا فلوس سوا ويطلعوها تحج بس هي رفضت!.. رفضت رفض قاطع ونهائي وقال لهم: أيامكم صعبة ربنا يعينكم عليها.. أنا مش هحج إلا لما تتجوزوا وأسلمكم لنسوانكم.. إنتم حجتي قدام ربنا.. وربنا هيتقبل مني إن شاء الله.
الأديب الفرنسي فكتور هوغو قال: هناك آباء لا يحبون أطفالهم لكن لا يوجد جد لا يعشق أحفاده.. الجدود والجدات هما وتد العيلة وروحها، وحتة من الجنة ماشية على الأرض بقلوب بيضا صافية مفيهاش ذرة خبث ولا قسوة.. ناس في كرمشة وشوشهم بتشوف طيبة الدنيا كلها، وفي رجفة إيديهم وهما بيطبطبوا عليك بتحس إن أمان الكون كله اتجمع في اللمسة دي.. ريحتهم لوحدها قادرة تفكرك بالبراح والخير بتوع زمان، ودعواتهم اللي طالعة من القلب هي الحصن اللي ساندنا وماشيين بستر ربنا ببركته.. المصدر الوحيد للحب اللي من غير شروط، والعطاء اللي مبيستناش مقابل، والملجأ اللي بنستخبى فيه من شقى الأيام وزحمة الدنيا.. وجودهم وسطنا نعمة مابتتقدرش بتمن.. فيه جملة في قمة اللُطف بتقول: الأجداد خٌلقوا من أجل المحبة وإصلاح الأشياء.. ربنا يبارك في عُمر وصحة كل جد وجدة منورين حياتنا، ويرحم كل روح طيبة سابتنا وراحت للي أرحم مننا.


