السبت 05 سبتمبر 2026
More forecasts: Wetter 4 wochen
رئيس التحرير
محمود المملوك
أخبار
حوادث
رياضة
فن
سياسة
اقتصاد
محافظات
محافظات

المحفظة | قصة

الإثنين 08/يونيو/2026 - 04:30 م

أنهيت يومي في العمل، أغلقت جهاز الحاسب، مازحت مديري وزملائي، ثم سرت إلى مترو "وادي النيل" متوجها إلى محطة جمال عبد الناصر، دفعت ثمن التذكرة ثم عرجت إلى رصيف المحطة. وعند نزولي كان القطار قد وصل لتوه.

انفتح الباب ثم دخلت مع الركاب، ساعتها كنت أضع سماعات الأذن مستمعا لأغنية رومانسية، خفضت الصوت قليلا ثم هممت بإخراج كتاب لكي أقرأ فيه، وعند إخراجه أحسست أن وزن الحقيبة قد خفّ عن المعتاد، قبل أن أضع يدي توقعت ما حدث.

وصدق حدسي؛ المحفظة غير موجودة!! كاد القلق أن يفتك بي، لولا أن شيئا في ساعتها ربت على قلبي أو قل ألقى عليه ماءً باردا.. بعدها هدأت تماما، ثم أسرعت الخطو نحو ناظر المحطة التي توقفت عندها، وكانت محطة الكيت كات. وقفت أمام أجهزة سحب التذاكر، قلت لفرد أمن المترو إن محفظتي مفقودة، ويبدو أنني قد نسيتها في محطة وادي النيل، ارتعدت فرائصه، ثم أمرني بالسير معه، هناك قابلت ناظر المحطة ونظر إليّ متأملا ثم قال: هل أنت متأكد من نسيانها هناك؟ لعلها سُرقت؟ قلت له إنه حدسي يخبرني أنها هناك وكنت أود القول إنه شيء في قلبي منذ قديم الأزالِ.

أخرج من جيبه جهاز اتصال لا سلكي، ضغط بأصابعه على بعض الأزرار ثم انبعث صوت رجل من الجهاز، تكلم ناظر المحطة مع نظيره في وادي النيل عما جرى، وذكر  له اسمي، ثم صمت الجهاز بضع ثوانٍ مرّت عليّ كدهر كامل، ثم أخرج الجهاز صوتا لم أسمعه جيدا كأنني أصبحت أصم في تلك اللحظة، ثم صوب ناظر المحطة عينيه نحوي وهمَّ بالحديث.

«تمام، رواح استلم محفظتك، هتلقيها عند مكتب الناظر هناك».. ساعتها أحسست أن العالم كله عانقني والسماء نزلت من عليائها لتقبلني، هممت بمصافحة الجميع هناك وكانوا 4 رجال، وحينما مددت يدي لرابعهم؛ مازحني قائلا وضحكة واسعة زينت صفحة وجهه: هل هناك أحد آخر تود مصافحته؟ رددت عليه باسما: ولو قدرت لصافحت الناس جميعا وعانقتهم رجالا ونساء، ضحكوا جميعا من جراء ما قلت، فتنهد أحدهم قائلا: وماذا تصنع بعناق الرجال؟ إن كنت مكانك لاكتفيت بعناق النساء فقط، ثم ارتفعت ضحكاتنا جميعا مرة أخرى على وقع مقالة هذا الرجل.

ودعت الجميع بكلمات حارة، وقبل أن أرحل، أوصى الناظر أن يوصلني أحد الموظفين إلى المحطة بنفسه، وأن أستقل مصعد المحطة بدلا من النزول على الدرج، ودعته شاكرا ثم انتظرت القطار أن يأتي وفي خلال 3 دقائق وصل. انفتح الباب فدلفت إلى الداخل، ثم أُغلقت الأبواب وقال قائد القطار كلمته.

«على السادة الركاب العلم أن هذا القطار متجه إلى محطات جامعة القاهرة».. استبد بي الشوق إلى محفظتي، تلك المحفظة التي أحملها منذ ما يقرب الـ 5 سنوات، لما أحسه اتجاهها من ألفة كأنها صديقة عزيزة لا يغيب خيالها عني أبدا، كانت دائمة الكرم معي سواء وضعت فيها أمولا أم لا، إلا أنها غارت حينما وضعت أموالا مرة على محفظة إلكترونية، وعاتبتني قائلة: أهو غرام جديد؟ ألم تعد تأمني بعد كل هذه السنوات؟! ثم تجهش بالبكاء، فأمسح عنها دمعها، قائلا لها ألا أحد سيأخذ مكانكِ أبدا.. وبعد هذه الواقعة أعاهدكِ يا عزيزتي المحفظة ألا أفرط فيكِ مجددا وأن موضعكِ ليس حقيبتي أو جيبي إنما قلبي، هذا العالم الخراب الذي لا يوجد فيه شيء أو أحد ألا أنتِ، واحدة متفردة جبارة لا شريك لكِ ولا ند يزاحم موضعكِ في وجداني.

وقفت عند محطة وادي النيل، ولما انفتحت الأبواب أحسست كأن زلزالا حلّ بالناس جميعا إلا أنني الوحيد الذي نجوت منه بأعجوبة.

صعدت إلى المحطة، ولما اتجهت إلى أجهزة التذاكر، بادرني الموظف قائلا: أنت عبد الرحمن؟ رددت: "أيوه أنا عبد الرحمن يا فندم"، عاتبني بلطف: "ليه كده يا عم عبد الرحمن أرجوك ركز!!" أومأت برأسي موافقا وشبح ابتسامة متوترة ترتسم على وجهي، أخذني إلى ناظر المحطة استقبلني الرجل بابتسامة، أدخلني مكتبه، جلس على مقعده ثم سحب درجا به عدة بطاقات، وفي نهايته محفظتي ذات اللون الأسود، لا أصدق أنها عادت لي.


أعطاني إياها وقبل أن أخرج حذرني بلهجة فكاهية من الحب لأنه يسبب النسيان، فضحكت بصوت عالٍ قليلا معلقا: عن أي حب تتحدث، هذا صدري إن اطلعت عليه لولّيت منه فرارا لمُلئت منه رعبا، فهو كالمنازل المهجورة خاوٍ تسكنه الأشباح، أو قول معركة قد خسرتها آلاف المرات، ارتسمت نصف ابتسامة على وجه ثم قال: وما أدراك أن المعركة بدأت أصلا!! صدمني بما قال، ثم أردف: أذهب ولا تخشَ بعد الآن شيئا فكل ما تريد سيتحقق رغما عنك شخصيا، ثم خرجت مودعا إيه، وسرت إلى المحطة مرة أخيرة ولكن بتؤدة شديدة كأن الزمان توقف عند كلمة «رغما عنك شخصيا»، هنا أحسست بضحكة تهز صدري من الداخل، وكنت أجاهد لكي أضحك، وكنت أظن أنني لن أستطيع، حتى حدث ما حدث.

ضحت.. ثم ضحت ثم ضحت حتى اهتز الكون معي من فرط الضحك وتراقص على وقع كل ضحكة صدرت مني.. وجميع الأغاني رن صداها في الوجود أجمع، وصار الناس كل الناس يغنون في نفس واحد ممسكين بأيادي بعضهم البعض، يتعانقون تارة ويقبلون بعضهم تارة، ويجرون ويمرحون ويرتعون في هذا العالم الذي أصبح فجأة جنة.

ثم صحوت من هذه الغفوة!! انتبهت أنني أقف قبالة سينما ميامي بجانبي فتاة مشردة حسناء تبيع الورود، ورجل يبيع أسورة للمعصم، والناس في ذهاب وإياب يذرعون الطريق بهدى وبلا هدى أحيانا، السماء هي السماء والأرض هي الأرض، ما الذي تغير إذا؟ سألت نفسي، بعيدا أنني نسيت محفظتي ثم استرجعتها حقا، ولكن هل كل ما سبق كان خيالا أم حقيقة؟! أما الذين قابلتهم فلا أستطيع أن اصفهم إلا بأنهم بشر.

تابع مواقعنا