السجل العثماني في سوريا 1: برجوازية المدن تتحول إلى مستأجرين
الجدل الذي انفجر في سوريا حول العودة إلى الأرشيف العثماني الموجود في تركيا لحصر الأملاك الوقفية وتثبيت صفتها وإعادة تقييم إيجارات نحو 8 آلاف عقار في دمشق وحدها، تسبب بخوف شعبي حقيقي ليس من العثمانيين بل من النتيجة القانونية المحتملة في أن يتحول من كان مالكًا إلى مستأجر أو صاحب حق انتفاع بعد إعادة توصيف العقار كوقف، والهدف الخفي إعادة هندسة قسرية للمجتمع باسم الوقف.
بتقديري القرار ليس عقاريًا صرفًا ولا دينيًا وليس عثمانيًا، بل هو هندسة جديدة للمدن السورية عبر العقار وتحويل وزارة الأوقاف إلى أكبر مالك عقاري في سوريا، ولكن نتائجه على البنية الاجتماعية والاقتصاد كارثية، تحوّل سوريا إلى جمهورية وقفية تمول بناء أجيال جهادية سلفية منتفعة وفاسدة، وستصل بسوريا بعد سنوات إلى دولة فاشلة ومصدرة للإرهاب في العالم.. لماذا؟
أنا هنا لن أدخل في مواقف سياسية بل سأقدّم تحليلًا اجتماعياَ واقتصادياَ بحتًا.
أولًا من هم الشوام والحلبيون الذين سيتأثرون؟ نحن نتحدث عن طبقة تاريخية عمرها قرون، تشكل البرجوازية المدينية والطبقة التجارية والمالكون التقليديون للعقارات في دمشق وحلب، هي عائلات الأسواق القديمة ورثة الأملاك داخل السور وخارجه، أصحاب المحلات والخانات والبيوت الوقفية سابقًا، هذه الطبقة ليست أغنياء بالمعنى الحديث بل طبقة مالكة للأصول لا للسيولة.
كم عددهم؟ في دمشق بين 40 إلى 70 ألف أسرة تملك عقارًا واحدًا أو أكثر في مناطق قد تتقاطع مع سجلات الوقف. أما في حلب بين 30 إلى 50 ألف أسرة في وضع مشابه. أي نحن نتحدث عن نحو 100 ألف أسرة قد تتأثر بشكل مباشر أو غير مباشر. وهذه ليست أرقام صغيرة، فهذه الطبقة هي التي بنت اقتصاد المدن منذ العصر المملوكي.
ماذا سيحدث لهم اقتصاديًا؟ المالك يتحول إلى مستأجر ويفقد حق الملكية ويتحول للانتفاع فقط، ويدفع إيجارًا جديدًا بأسعار اليوم أي يصبح تحت سلطة الجهة الوقفية. وهذا يعني انهيار مفهوم الملكية المدينية كما عرفته دمشق وحلب منذ 600 عام. وانهيار القيمة السوقية للعقار، لأن العقار الوقفي يفقد قيمته الاستثمارية والتوريثية، وقيمته كضمانة مالية وفي البيع والشراء.
بمعنى آخر ستتبخر ثروة طبقة كاملة على الورق ويحدث انتقال للقوة الاقتصادية من الطبقة التجارية إلى المؤسسة الدينية، وهذا تغيير بنيوي في المدن، لأن من يملك العقار يملك السوق، ومن يملك السوق يملك المدينة، ومن يملك المدينة يملك السياسة المحلية أي القرار يعيد توزيع القوة.
ماذا سيحدث للمدينة نفسها؟ دمشق القديمة وحلب القديمة ستتحولان إلى مدن وقفية وهذا يعني تغيير هوية الملكية والسكان والاستثمار والعمران، بالتالي المستثمرون سيهربون لأن الملكية غير مستقرة والعقار يمكن إعادة توصيفه مرة أخرى، والإيجارات غير مضمونة والعقود قابلة للإلغاء، أي أن السوق سيتقلص لأن السيولة ستنخفض والعقار لن يكون ضمانة للقروض، وحركة البيع ستتجمد والأسعار ستنهار.
ولكن ماذا ستفعل وزارة الأوقاف بالعوائد؟ العوائد ستصبح أغنى من كل الوزارات، فالوزارة ستملك إيجارات جديدة وعقارات محدثة وأراضٍ زراعية ومحلات تجارية وعقارات في قلب المدن وفي مناطق سياحية وصناعية. والأموال لا تدخل وزارة المالية ولا تخضع للموازنة العامة ولا الرقابة البرلمانية ولا تُوزّع على الوزارات، بل تُدار كـ اقتصاد موازي، لتمويل مؤسسات دينية وجمعيات ومدارس شرعية تفرّخ التطرف والإرهاب للعالم.


