الجمعة 04 سبتمبر 2026
More forecasts: Wetter 4 wochen
رئيس التحرير
محمود المملوك
أخبار
حوادث
رياضة
فن
سياسة
اقتصاد
محافظات
محافظات

بعد حرب إيران.. هل بدأ الشرق الأوسط كتابة نظامه الجديد؟ | تحليل

إيران وأمريكا
تقارير وتحقيقات
إيران وأمريكا
الخميس 25/يونيو/2026 - 11:10 م

تسببت آلاف الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة الإيرانية التي استهدفت دول مجلس التعاون الخليجي في أضرار قدرت بعشرات المليارات من الدولارات، لكنها لم تسفر عن خسائر بشرية تذكر، إلا أن صدمة الحرب التي هزت المنطقة والعالم كشفت حقيقة مهمة، وهي أن جزءًا من مستقبل الشرق الأوسط بات يعتمد، ولو جزئيًا، على مسار المفاوضات الأمريكية الإيرانية.  

فإذا نجح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إبرام اتفاق دائم ينهي عقودًا من الصراع بين واشنطن وطهران، فقد تتلاشى آثار الصدمة التي خلفتها الحرب على منطقة الخليج سريعًا، أما إذا استؤنف القتال، فقد تكون الجولة المقبلة أكثر تدميرًا واتساعًا.

ورغم أن عددًا قليلًا من المسؤولين في الشرق الأوسط يتوقعون عودة الحرب، بحسب ما أوردته مجلة إيكونوميست، فإنهم في المقابل لا يتوقعون أيضًا سلامًا دائمًا، ما يعني أن دول المنطقة ستظل مضطرة للتعامل مع مستويات مرتفعة من المخاطر خلال المستقبل المنظور.

الحرب الإيرانية الأمريكية
الحرب الإيرانية الأمريكية

وترى المجلة البريطانية أن دول الخليج العربي والشرق الأوسط تواجه اليوم ثلاث تحديات رئيسية، تتمثل في إعادة بناء الثقة، وإعادة تقييم خططها الطموحة لتنويع اقتصاداتها النفطية التي لم تكن تأخذ في الحسبان هذا المستوى من المخاطر، إلى جانب التعامل مع واقع جيوسياسي معقد تراجعت فيه الثقة بالولايات المتحدة باعتبارها الشريك الأمني الرئيسي.

وفي هذا السياق، سيكون من الصعب على دول الخليج استعادة الثقة في إيران، إذ أكدت الحرب، بحسب محللين وخبراء عسكريين وسياسيين، أهمية الموقع الجغرافي وحسن استغلاله في مواجهة التحديات، باعتباره أحد أبرز الدروس المستفادة من المواجهة الأخيرة.

كما دفعت الحرب إلى تشكيل مسارات إقليمية جديدة ضمت مصر والسعودية وتركيا وباكستان، في محاولة للتأثير على تطورات المرحلة المقبلة، ودفع كل من إيران وإسرائيل نحو التهدئة وتقديم تنازلات لبقية دول المنطقة، خاصة بعدما تراجعت ثقة العديد من دول الإقليم في واشنطن، واعتبارها شريكا متقلبا لا يمكن الاعتماد عليه كضامن أمني.

حرب إيران أسقطت أسطورة الردع الأمريكي

وفي الوقت نفسه، حرصت الولايات المتحدة، طوال الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، على استعراض تفوقها العسكري التقليدي، إذ تفاخرت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في بياناتها العسكرية، بإنجازاتها الكمية، فقبل وقف إطلاق النار في 8 أبريل، نفذت القوات الأمريكية وحدها أكثر من 10 آلاف طلعة جوية، واستهدفت أكثر من 130 ألف هدف، واعترضت نحو 1700 صاروخ وطائرة مسيرة إيرانية.

ووفقا للقيادة المركزية الأمريكية، فقد دمرت الحملة أكثر من 85% من المنشآت التي كانت طهران تستخدمها لإنتاج الصواريخ والطائرات المسيرة، وأغرقت غالبية السفن الحربية الإيرانية، وقضت على 70% من بنيتها التحتية الخاصة بإطلاق الصواريخ.

ورغم حجم تلك الضربات والاستعراضات العسكرية، فإن الولايات المتحدة لم تتمكن من تحقيق أهدافها المعلنة على لسان الرئيس دونالد ترامب، والمتمثلة في إجبار النظام الإيراني على الاستسلام الكامل، وإنهاء النفوذ الإيراني في المنطقة، وانتزاع اتفاق نووي أفضل من الاتفاق الذي توصلت إليه إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما.

إلا أن مسار الحرب كشف أن تلك الأهداف لا تزال بعيدة المنال؛ فقد صمد النظام في طهران، ونجح في التكيف مع استراتيجية استنزاف أرهقت الترسانة العسكرية الأمريكية، وهددت البنية التحتية المدنية في المنطقة، وأضافت بعدًا جديدًا للصراع من خلال الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز والضغط على الاقتصاد العالمي.

الحرب الإيرانية الأمريكية
الحرب الإيرانية الأمريكية

وفي هذا الإطار، ترى مجلة فورين أفيرز الأمريكية أن الحرب مع إيران كشفت عن أوجه قصور خطيرة في الدور الأمريكي بالمنطقة، وكذلك في قدرة الجيش الأمريكي على خوض حروب طويلة الأمد، بعدما سلطت الضوء على المتطلبات المادية الضخمة للحروب الحديثة، وعدم جاهزية الولايات المتحدة لمواجهات ممتدة.

كما أوضحت أن أنظمة الدفاع الجوي المتطورة والذخائر الحديثة أصبحت أقل جدوى من الناحيتين المالية والعملياتية أمام هجمات الطائرات المسيرة منخفضة التكلفة وطويلة المدى.

وترى المجلة أن واشنطن إذا أرادت الحفاظ على ريادتها في مجال الابتكار العسكري، ستكون مطالبة بتسريع عمليات الاستحواذ العسكري، وتعزيز التعاون الابتكاري مع دول المنطقة، إلى جانب إزالة الحواجز التنظيمية التي تعيق نقل التكنولوجيا مع شركائها، ومعالجة العقبات الصناعية والتعاقدية والتمويلية التي تؤخر تطوير وإنتاج ذخائر أكثر كفاءة وأقل تكلفة.

بين القوة الأمريكية والمال الصيني

أما على المصالح العسكرية الاقتصادية في المنطقة، فتشير مجلة فورين بوليسي إلى أن الحرب أضعفت الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط، في وقت يتزايد فيه انتقال موازين القوة الاقتصادية نحو الصين، التي باتت تنظر إليها باعتبارها شريكا اقتصاديا قويا وأكثر موثوقية لدى عدد من دول المنطقة.

وتوضح المجلة أن الولايات المتحدة لا تزال تمارس نفوذها في الشرق الأوسط عبر القوة العسكرية وتوفير المظلة الأمنية، بينما وسعت الصين نفوذها من خلال التجارة، والاستثمارات، والبنية التحتية، والسياسات الاقتصادية، فضلا عن تقديم نفسها بوصفها طرفا يمكن التنبؤ بسلوكه على الساحة الدولية.

ومن المرجح أن تستغرق عملية إعادة التوازن الحالية عقودًا حتى تكتمل، إلا أنه نادرًا ما تركزت التبعية الاقتصادية والأمنية بهذا الوضوح في أيدي قوتين مختلفتين. 

ففي الوقت الذي تعمل فيه بكين على ترسيخ مكانتها كفاعل موثوق في الشرق الأوسط، وليس مجرد مشتر للنفط، ارتفع حجم التبادل التجاري بين الصين والعالم العربي من نحو 36 مليار دولار عام 2004 إلى ما يقرب من 400 مليار دولار بحلول عام 2024.

الحرب الأمريكية الإيرانية
الحرب الأمريكية الإيرانية

كما أصبحت الصين أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، وأكبر شريك تجاري للشرق الأوسط، في الوقت الذي وسعت فيه حضورها الدبلوماسي، خاصة عبر الوساطة التي قادت إلى استئناف العلاقات بين السعودية وإيران عام 2023، مع تجنبها المستمر لأي تدخل عسكري مباشر أو إنشاء قواعد عسكرية في المنطقة.

في المقابل، لا تزال الولايات المتحدة تحتفظ بمنشآت عسكرية في ما لا يقل عن 19 موقعًا في الشرق الأوسط، لكنها لم تعد تتمتع بالثقل الاقتصادي نفسه الذي كانت تمتلكه في السابق.

وقد أبرزت الحرب الإيرانية هذا التناقض بوضوح؛ فعندما تعطلت الملاحة في مضيق هرمز، لم تكن الولايات المتحدة أو إسرائيل أو إيران هي الأكثر تعرضا للخطر، بل كانت الصين، باعتبارها أكبر مستورد للنفط الذي يمر عبر المضيق، حيث أصبح أمنها الطاقي رهينة لصراع لم تكن طرفا فيه، ولا تمتلك قوات عسكرية لإدارته.

ومع تزايد الفجوة بين الالتزامات العسكرية الأمريكية ومصالحها الاقتصادية في الشرق الأوسط، تراجعت قدرتها على الردع، وارتفع خطر سوء تقدير الخصوم، وتعززت لدى دول المنطقة سياسة التحوط بدلا من الاصطفاف الكامل، ما جعل الصين تمثل خيارا اقتصاديا متناميا، في حين تظل الولايات المتحدة شريكا عسكريا، على الأقل في المرحلة الحالية.

وفي ظل تزايد تباعد المصالح الاقتصادية والأمنية للقوى الكبرى، تتحرك دول الشرق الأوسط تدريجيا نحو صياغة توازن إقليمي أكثر اعتمادا على الذات، إذ لم يعد التحوط وحده كافيا لتحقيق الاستقرار في منطقة تتباين فيها مصالح القوى الضامنة الخارجية وتتفاوت التزاماتها، وكلما ازداد تشتت النظام الدولي، ازداد دافع دول الشرق الأوسط إلى إدارة التوترات فيما بينها بصورة مباشرة، والحد من تأثير تنافس القوى الكبرى على أمنها واستقرارها.

تابع مواقعنا