دون رأفة.. محكمة استئناف المنيا تؤيد 45 سنة سجنًا لأم وصديقها في اتهامهما بتعذيب صغير حتى الموت
قضت محكمة جنايات مستأنف المنيا، برئاسة المستشار طه عبدالله، بقبول الاستئناف المقدم من أم وعشيقها شكلًا، ورفضه موضوعًا، وتأييد الحكم الصادر ضدهما في واقعة وفاة طفل المتهمة الثانية، بعد تعرضه للتعذيب والإهمال بدائرة مركز ملوي جنوب محافظة المنيا.
محكمة استئناف المنيا تؤيد 45 سنة سجنًا لأم وصديقها في اتهامهما بتعذيب صغير حتى الموت
وتضمن الحكم معاقبة المتهمة الثانية، والدة الطفل، وتدعى آ. أ. م، بإجمالي عقوبات بلغ 30 عامًا، بواقع 15 عامًا عن الاتهامين الأول والرابع، و15 عامًا أخرى بالسجن المشدد عن التهمتين الثانية والثالثة، مع تغريمها 50 ألف جنيه، فيما عاقبت المحكمة المتهم الأول، عشيقها، ويدعى م. ع. م، بالسجن لمدة 15 عامًا، مع إلزامهما بالمصاريف الجنائية.
وتعود تفاصيل الواقعة، حسبما ورد بأسباب الحكم، إلى اتهام النيابة العامة للمتهم الأول بأنه أحدث عمدًا ومع سبق الإصرار إصابات جسيمة بالطفل س. ح. أ، نجل المتهمة الثانية، نتيجة اعتداءات متكررة على فترات متعاقبة، شملت الضرب والركل والصفع ولسعه بالسجائر في مواضع متفرقة من جسده، غير مكترث بصغر سنه وعجزه عن الدفاع عن نفسه.
كما أسندت النيابة العامة إلى المتهمة الثانية، والدة الطفل، قيامها بإعطاء نجلها مواد ضارة عبارة عن عقار منوم أضر بصحته، ما أدى إلى نومه لفترات طويلة، وتفاقم إصاباته وتقيحها، مع عدم تقديم الرعاية الطبية اللازمة له، حتى توفي متأثرًا بالإصابات والجراح الثابتة بتقرير الصفة التشريحية.
وأوضحت المحكمة في أسباب حكمها أن وفاة الطفل جاءت نتيجة الأفعال المنسوبة إلى المتهمين وما صاحبها من إهمال جسيم وتدهور خطير في حالة المجني عليه، دون أن يقصدا قتله، إلا أن تلك الأفعال أفضت إلى موته، وفقًا لما انتهت إليه التحقيقات وأوراق القضية.
وخلال نظر الاستئناف، طلب دفاع المتهمين إلغاء الحكم المستأنف والقضاء ببراءتهما، فيما طلبت النيابة العامة تأييد الحكم الصادر من محكمة أول درجة.
وقالت المحكمة إن ما أثاره الدفاع بشأن تناقض أقوال الشهود مع تحريات الشرطة، وعدم معقولية الواقعة، وتلفيق الاتهام، لا يعدو أن يكون جدلًا موضوعيًا في تقدير الأدلة، مؤكدة اطمئنانها إلى أدلة الثبوت وأقوال شهود الإثبات، وما انتهى إليه حكم أول درجة من ثبوت الاتهام.
وفي كلمة شديدة اللهجة، قال المستشار طه عبدالله، رئيس محكمة الاستئناف بالمنيا، في أسباب الحكم، إن المحكمة وهي تختم حديثها في الدعوى، وبصدد إنزال قضائها، تقف مذهولة أمام جرم انخلعت له قلوب البشر، إزاء جفاء في الطبع، وموت في الضمير، ونفوس ارتكست في مستنقع الرذيلة، فلم تكتف بهتك أستار الشرف والعرض، بل دنست فطرة الأمومة النقية، واستبدلت برداء الطهر غواية الآثام.
ووجهت المحكمة حديثها إلى والدة الطفل، مؤكدة أنها “نسيت أن الأمومة ميثاق غليظ، فإذا بها تلقي بفلذة كبدها في أتون العذاب، وتقايض صرخات براءته بلذاتها المحرمة، وتسقيه كؤوس المنوم لتخرس صوته الضعيف، بدلًا من أن تفيض عليه بعطفها، مشيرة إلى أنها تخلت عن أقدس رسالات الأرض، وباعت غالي الشرف برخيص الشهوة، حتى استحقت أن تنزع منها صفة الأمومة وتساق إلى سجنها مدحورة ملومة”.
كما وجهت المحكمة حديثها إلى المتهم الأول، مؤكدة أنه “تجرد من أدنى معاني الإنسانية، واستأسد ببطشه على رضيع لا يملك دفعًا ولا نفعًا، وكان يتلذذ بأنات ضعفه، ويطفئ لظى سجائره في جسده الغض الطري، في وحشية مفرطة وندالة مستحكمة، فلم يرحم صرخة الصغير، ولم تردعه براءة الفطرة، بل قسا قلبه حتى صار كالحجارة أو أشد قسوة”.
وأضافت المحكمة في أسبابها: “بأي ذنب قتل هذا الرضيع؟ وبأي جريرة أزهقت روحه الطاهرة؟ إلا أنه بكى طالبًا حنانًا ممن فقدوه فابتلوه بالضرب والتعذيب؟ أم لأنه شكى جوعًا وألمًا فجرعوه الموت؟”.
وأكدت المحكمة أن الجريمة “بلغت من الخسة منتهاها، ومن الدناءة أقصاها، وأنها لا تجد في ميزان العدل والرحمة مكانًا للرأفة بالمتهمين، وتأخذهم بأقصى عقوبة، ليكونوا عبرة ونكالًا لمن تجرأ على حرمات الله ونفوس البشر”.
وانتهت المحكمة إلى رفض الاستئناف موضوعًا، وتأييد الحكم المستأنف، مع إلزام المستأنفين بالمصاريف الجنائية.


