مَن ينصف الموزعين الموسيقيين في معركة حق الأداء العلني؟| تحقيق
أزمة حقوق الموزعين الموسيقيين تتصاعد
هل يعيد القانون تعريف دور الموزعين الموسيقيين في صناعة الأغنية؟
"الموزع الموسيقي بين الظل والاعتراف.. صراع طويل على حق الأداء العلني
لك أن تتخيل عزيزي القارئ، أن خلف كل أغنية تستمع إليها هناك حقوق مهدورة للموزعين منذ سنوات طويلة لم يبُح بها أحد إلا في الدوائر المغلقة، وفي نهاية المطاف لم يعثروا على نتيجة أو حلً جذري لعدم خروجها للنور والبوح بها علنًا، لتصبح بلبلة نتيجتها صفر.
لكن هل يستمر الوضع طويلًا؟، حيث إن قضية حق الأداء العلني للصناع أمر مكفول منذ قديم الأزل، إلا للموزع الموسيقي، فلا يتحصل منه على جنيه واحد على عكس الشاعر والملحن.
وذلك ما دفع "القاهرة 24" لخوض رحلة من البحث عن أسباب عدم حصول الموزعين على حق الأداء العلني، لنكتشف العديد من الآراء المتباينة والمفاجآت الغير متوقعة، والحلول المقترحة.
تميم: حق الأداء العلني بالنسبة لنا كـ المعاش
وحرص الموزع الموسيقي تميم على شرح وجهة نظره في أزمة حق الأداء العلني للموزعين، قائلًا: الفن غدار، فمن الممكن أن يسعد الموزع حاليًا بنجاح الأغنية، ولكن فيما بعد مَن سينفق على علاجه أو معيشته؟!، حيث إن حق الأداء العلني بالنسبة لنا مثل "المعاش"، هناك ظلم للموزعين، فنحن نبذل مجهودًا كبيرًا بالأيام والشهور، وعلى سبيل المثال الملحن يستطيع صنع 15 لحنا في الشهر وكذلك الشاعر، ولكن من المستحيل أن يقدم الموزع ذلك العدد شهريًا، فمن الممكن أن نصنع أغنيتين أو ثلاثة كحد أقصى شهريًا.
وأشار تميم إلى أن جمعية المؤلفين والملحنين والناشرين الفرنسية SACEM تُطلق على مَن يلحن الميلودي فقط "Top Liner"، بينما يطلق علينا اسم "Composer" أي مؤلف موسيقي، مضيفًا: فعلى سبيل المثال نصنع بعض بعض جمل البيز وجمل الكمنجات والكوردات والهارموني.

لذا طالب الموزع تميم بتغيير المسمى الوظيفي من "موزع موسيقي" لـ "مؤلف موسيقي"، قائلًا: إن عكفت على صناعة أغنية وتم إحضار لي الصولو و"الدخول" وطلب مني الملحن أن أسير على خطوات معينة حينها أكون "موزع موسيقي"، ولكن يختلف الوضع تمامًا عندما يأتي لي اللحن فقط على مزيكا وأقوم أنا بصناعة كل شيء من جديد، كما اقترح تقسيم حق الأداء العلني على ثلاثة أجزاء بين شاعر وملحن وموزع أي أغنية.

محمد العشي: أقترح وجود وكالات قانونية تدير اتفاقات الفنانين والصناع
ولمن لا يعلم ما هو دور الموزع الموسيقي في صناعة الأغنية، فقد يسهل عليه معرفة ذلك عندما يقرأ رأي الموزع الموسيقي محمد العشي في تلك الأزمة، حيث قال إن تلك الأزمة نسبية وتختلف من صناعة أغنية إلى أخرى، حيث إن هناك موزعًا يقتصر دوره على تنفيذ رؤية الملحن فقط بكافة العناصر، سواء في دخول الأغنية أو الفواصل أو حتى شكل الموسيقى والاستايل الخاص بها، وهنا يتحول دور الموزع إلى دور تقني، مثله مثل العازفين. ولكن هناك أعمالًا أخرى يحدد فيها الموزع الموسيقي اتجاه الأغنية، ويؤلف كل شيء موسيقي، ويضع أفكاره وينفذها، وهنا أرى أن أي شخص يضع بصمته في مصنف معين يكون له حق الأداء العلني بنسب معينة، مشيرًا إلى أن الموزع لا يستحق حق الأداء العلني في حالة عرض المصنف بدون توزيعه ورؤيته، عند إعادة توزيع المؤلف الموسيقي أو في حفلة بشكل مباشر.
وقدم العشي مقترحًا مختلفًا، حيث طالب بوجود وكالات قانونية تدير اتفاقات الفنانين، سواء في التعاقدات أو الأمور المادية، وتقوم بتحديد النسب بكل حيادية وأمانة من أجل توزيع الحقوق للفنانين بشكل عادل، سواء أكانت تلك الحقوق للشاعر أو الملحن أو الموزع أو حتى العازفين، وفقًا لطريقة مشاركتهم في المصنف، كما تكون تلك الوكالات مسؤولة عن تحصيل المستحقات المادية من شركات الإنتاج والمنصات.

توما: لن نحصل على أموالًا من الشعراء أو الملحنين
وأكد الموزع الموسيقي توما على أن حقوقهم ستأتي ويتم تنفيذها عاجلًا أم آجلًا، ولكن الفكرة في طريقة الطرح المنظمة التي يجب أن تكون بين الجهات المختصة، بالإضافة إلى تعاون "الساسم" و"الساسيرو"، قائلًا: يجب توجه الموزعين إلى جمعية المؤلفين والملحنين والناشرين المصرية (SACERAU) والاتفاق معهم أولًا، فهم من يستطيعون تفعيل حقوقنا إن انضممنا إلى الجمعية وفعلوا حق الأداء العلني لنا، كما أننا لن نحصل على أموال من الشعراء أو الملحنين، بل هو حقنا، ولحين تفعيل حقوقنا، أحرص حاليًا على التركيز على عملي وتقديمه بكل حب وشغف.
أما عن المقترحات المطروحة حول تقسيم الأرباح بشكل عام إلى ثلاثة أجزاء، أوضح قائلًا: "حتى وإن كانت النسبة 1%، فأنا لست معترضًا على أي شيء"، كما أشار إلى أن قضية حق الأداء العلني للموزعين مطروحة منذ فترة طويلة، وسبق أن اجتمع الموزعون من قبل وبحثوا سبل حل تلك الأزمة، ولكن لم يتوصلوا إلى أي نتيجة بعد.
ما لا تعرفه عن أغنية بشرة خير
هل تعلم عزيزي القارئ، أن الفنان عمرو مصطفى بالتعاون مع الشاعر بهجت قمر قاما بالاتفاق مع الموزع توما على نسبة في حق الأداء العلني عن أغنية "بشرة خير" عرفانًا وتقديرًا لمجهوده، ولكن لم يتحصل عليهم توما حتى الآن لكونه ليس عضوًا في جمعية "الساسم".
ديفيد أمين يتفق مع وجهة نظر توما
وجهة نظر الموزع توما ليست الوحيدة بين الموزعين، حيث إن الموزع ديفيد أمين يتفق معه في الرأي، وبالتواصل معه، أكد أن حق الأداء العلني للموزعين لا يشغله على الإطلاق حاليًا، ولا ينظر إلى المال وما سيجنيه، حيث يسعى فقط إلى النجاح واستمراره، خاصةً بعد تعاونه مع الفنان حماقي في ألبوم "سمعوني".
وقال: ما يهمني استمرار النجاح، مع العلم أننا نُصنف في الخارج كـ Music Composer وليس كما يُكتب Music Producer، حيث إننا من نؤلف الموسيقى، فإن أعدنا تصحيح ذلك المنظور سيختلف الحديث، ودعيني أخبرك بأن العجلة مستمرة ولن تتوقف، فنحن نحب بعضنا جميعًا، ولا توجد لدينا مشاكل مع بعضنا كصناع.

شريف مكاوي: الأزمة شائكة وحساسة
بينما أردف الموزع شريف مكاوي: ذلك الأمر شائك وحساس للغاية؛ وذلك لأن النسبة التي ستخرج للموزعين ستكون من نسبة الشعراء والملحنين كحقوق مجاورة، حيث سيتم اقتناص ما يقرب من 15% من نصيب كل منهما، وهناك الكثير منهم معترضون على تلك الفكرة، ولكن أتمنى أن يتم حل الأزمة يومًا ما، كما أنني كفنان لا أستسلم لتلك الأزمة، فأنا فنان وحياتي كلها موسيقى، وأحاول إيجاد حلول أخرى بخلاف التوزيع، وإن رأت الدولة يومًا ما أن لنا حقوقًا، ستمنحها لنا.

وعندما يطرأ في أذهاننا إمكانية تطبيق مقترح تقسيم أرباح حق الأداء العلني إلى ثلاثة أجزاء بين الشاعر والملحن والموزع، تطرأ في أذهاننا العديد من الأسئلة، فهل يكون ذلك المقترح جائزًا للتنفيذ أو حلًا سديدًا؟ فهو أمر يحتاج إلى موافقة من الشعراء والملحنين على هذا الأمر، وذلك ما قادنا إلى التواصل مع عدد من الملحنين الذين عبروا عن آرائهم حيال ذلك الأمر.
مصطفى العسال: لا يجوز إطلاق لقب موزع على أي شخص
بينما نوه الملحن مصطفى العسال، الأستاذ بكلية التربية الموسيقية بجامعة صوت العاصمة، إلى أن لقب "موزع موسيقي" لا يجوز إطلاقه على أي شخص، فهناك فرق بين المنسق الموسيقي والمنتج الموسيقي، مشيرًا إلى أن الموزع الحقيقي هو من يخلق شيئًا جديدًا من العدم لم يسبق أن خلقه الملحن، مؤكدًا أن ركيزة العمل هي "الكلمة واللحن"، وإن تغير المطرب أو الموزع يظل العمل راسخًا بالكلمة واللحن، مضيفًا: في بداية الخمسينيات، عندما لمع الموزع الموسيقي اليوناني المصري أندريه رايدر وعلي إسماعيل، اعتمدا على التنسيق الأوركسترالي، وكانا منسقين موسيقيين؛ لذا أعتقد أنه تم سن القانون بناءً على تلك الفترة.
وأشار العسال إلى أنه لا يضيع حق وراءه مطالب، قائلًا: إن كان هناك قانون ملزم، فلن يتأخر أحد في تطبيقه، ومن الضروري أن يطالب الموزع الحقيقي بحقه، فهو جزء أصيل من العمل، ولكن على الموزعين أن يجتمعوا ويطالبوا بحقوقهم بشكل مضبوط من أجل سن القانون.

مدين مقترحًا: يمكن للموزعين الحصول على حقوق الماستر
ولكن أشار الملحن مدين إلى باب جديد يمكن للموزعين على حقوقهم المادية من خلاله، قائلًا: آخر ما توصلت إليه من اقتراحات ومتابعات مع بعض الزملاء هو أن هناك ما يسمى بـ حقوق "الماستر" لا يتم تحصيلها لعدم وجود أصحاب لها سواء في الساسيرو أو الساسم، فمن الممكن أن يتحصل عليها الموزعين، فهي أموال مهدرة، ولكنني أعتقد بأن الملحن والشاعر هم أصحاب الحقوق الأساسية للأغنية.
كما حرص مدين على التأكيد بأن اقتراح تقسيم حق الأداء العلني على ثلاثة أجزاء فلا مانع لديّ على الإطلاق، إن كان ذلك ما سيرضيهم، وأريد أن أنوه بأنني أفعل ذلك بالفعل، حيث أنني أتفق مع بعض الموزعين الذين أتعاون معهم على وجود نسبة لهم معي، منهم الموزع أحمد إبراهيم وأحمد عبد السلام.

هيثم نبيل: المشاركة مع الموزع في حق الأداء العلني أمر عادل
بينما أيد الفنان والملحن هيثم نبيل اقتراح تقسيم حق الأداء العلني إلى ثلاثة أجزاء، قائلًا: الموزع عنصر أساسي في صناعة أي أغنية، فهذا حق من حقوقه، ولا توجد مشكلة لدي مع فكرة المشاركة معهم في حق الأداء العلني، فهذا أمر عادل.
وبالرغم من استمرار أزمة حق الأداء العلني للموزعين لسنوات طويلة، ولم تبت أي جهة مختصة في الأمر بعد، إلا أن هناك اتفاقات ضمنية وودية يبرمها عدد من الموزعين مع الملحنين لضمان حقوقهم، حيث يتفقون على نسب معينة يتنازل عنها الملحن والشاعر للموزع في أرباح حق الأداء العلني.

مفاجأة غير متوقعة
ولأن أزمة حق الأداء العلني للموزعين قانونية بحتة، فكان من الضروري التواصل مع المستشار حسام لطفي، أستاذ القانون والخبير بقضايا الملكية الفكرية، الذي فجر مفاجأة مدوية، حيث إن هناك قانونًا يكفل للموزع الموسيقي حقه في الأداء العلني، قائلًا: طبقًا للقانون رقم 82 لعام 2002، في الكتاب الثالث، للموزع الموسيقي حق في الأداء العلني إذا كان توزيعه مبتكرًا، ولكن عادةً يكون دور الموزع الموسيقي ماديًا بحتًا، إذ يختار الآلة التي ستعزف النغمة التي كتبها الملحن، مثلما كان يفعل الموزع أندريا رايدر وعلي إسماعيل.
وأردف: توزيع اللحن ليس عملًا مبتكرًا، ولكن إذا فرضنا بأنه مستوفٍ الشروط وفقًا لأهل التخصص، ففي هذه الحالة يحصل على حق الأداء العلني، ودعيني أخبرك بأن الابتكار بالنسبة للموزع يتمثل في الربط واللوازم وخلافه، وليس اختيار الأدوات الموسيقية فقط، كما أنه مع استحداث الأدوات الموسيقية أصبح بعض الموزعين يستخدمون برامج الكمبيوتر من أجل التوزيع، وهؤلاء الموزعون قد تتمثل نسبتهم في 90%، بينما هناك 10% مبدعون، ويحق لهم الأداء العلني، ولكن عددهم قليل.

الناقد أمجد جمال: الموزع هو الأعلى أجرًا في صناعة الأغنية
وكان للناقد الموسيقي أمجد جمال رأي مختلف في الأزمة، حيث يعتبر الموزع الموسيقي عاملًا في نجاح الأغنية على عكس الملحن والشاعر، قائلًا: مقولة "اللحن والكلمات هما رب العمل" منطقية إلى حد ما، لأننا عندما نستحضر الأغنية، لا نستحضرها بالتوزيع، ومن الممكن أن يعاد توزيع الأغنية أكثر من مرة بطرق مختلفة، لذا يكون التوزيع عاملًا في نجاح الأغنية، ودعونا نأخذ في عين الاعتبار أن الموزع الموسيقي هو العنصر الأعلى أجرًا في صناعة الأغنية وعادةً يكون أعلى من الملحن، ولكن ذلك الأمر ليس كافيًا لأن الموزع هو أكثر شخص ينفق أموالًا في عملية صناعة الأغنية، سواء في تجديد الخامات الصوتية أو المؤثرات أو المكتبات الصوتية أو اشتراكات DAW، بالإضافة إلى تحديثها سنويًا، وأسعارها ليست هينة بالمرة.

جمعية المؤلفين والملحنين تدرس موقف الموزعين
ولم تتوقف المفاجآت عند هذا الحد، وأشار الشاعر فوزي إبراهيم، الأمين العام لجمعية المؤلفين والملحنين والناشرين المصرية، إلى أنهم يدرسون بالفعل تلك الأزمة لإيجاد حلول مناسبة، قائلًا: بالفعل نحن ندرس الوضع حاليًا، ونبحث الحلول المقترحة، ونلاحظ التجارب في العالم كله من أجل العثور على تجربة نستطيع تطبيقها أيضًا، ومن ثم الحصول على موافقة الجمعية العمومية، مؤكدًا أن هناك بعض الموزعين الذين تواصلوا مع الجمعية من قبل في هذا الشأن.
ولفت فوزي إلى أن هناك مودة ومحبة بين الصناع وبعضهم البعض لبحث سبل حل تلك الأزمة منذ زمن طويل، فعلى سبيل المثال: اتفق الموسيقار كمال الطويل، ملحنًا لأغاني مسلسل "هو وهي"، مع الموسيقار عمار الشريعي، موزعًا للأغاني، على اقتسام حق الأداء العلني لأغاني المسلسل، وتم وضعهما في خانة الملحن معًا.

وهنا يمكن أن يطرأ في ذهنك سؤال: لماذا لم ينتفض الموزعون الموسيقيون ويصروا على حقوقهم على مدار تلك السنوات؟ وهنا تكمن الإجابة في أن هناك بعض المحاولات التي ظهرت بالفعل منذ ما يقرب من 12 عامًا، ولم تثمر بنتيجة واضحة، وتتعدد الأسباب هنا ما بين حرص عدد من الموزعين على الحصول على ريادة تلك الانتفاضة بغض النظر عن الهدف الرئيسي للأزمة، بالإضافة إلى عدم اهتمام عدد من الموزعين بآراء الموزعين الجدد أو موزعي الأغاني الشعبية، هذا إلى جانب عقد جلسات اقتصرت على عدد من الموزعين النخبة فقط وتهميش الآخرين، وذلك وفقًا لما صرح به أحد الصناع لـ القاهرة 24، ولكنه رفض الإفصاح عن هويته حتى لا تتجدد الخلافات من جديد والحياد عن الهدف الرئيسي في إيجاد حل للأزمة.
وبعد التواصل مع العديد من الصناع ومختلف الجهات، هناك العديد من الصناع الذين امتنعوا عن الإدلاء بآرائهم رغبةً منهم في الحفاظ على قوتهم وعدم إقصائهم عن المشهد الموسيقي في حال اختلاف الآراء، بينما هناك من رفض فكرة حق الأداء العلني للموزعين ورفضوا التعبير عن آرائهم من أجل الحفاظ على علاقتهم الطيبة بزملائهم.
ولكن يظل هناك العديد من التساؤلات التي لا يوجد إجابة لها: هل تستطيع جمعية المؤلفين والملحنين حل أزمة الموزعين قريبًا بعد معاناتهم على مدار السنوات الماضية؟ أم تظل الأزمة تحت الدراسة لفترة أطول؟ هل تتحقق أمنية بعض الموزعين في تغيير ألقابهم إلى "مؤلفين موسيقيين" من أجل الحصول على حقوقهم؟ وما وضع الموزعين الموسيقيين في ظل تطور التكنولوجيا واستخدام نسبة لا يستهان بها من الموزعين الذكاء الاصطناعي في تنفيذ الأغاني؟.


