المفتي: الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة ولا يمكن أن يلغي دور العنصر البشري
أكد الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، رئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، أن توظيف الذكاء الاصطناعي في مجال الإفتاء يهدف إلى تسريع الوصول إلى المعلومة، واختصار الوقت والجهد، مع بقائه أداةً مساعدة للمفتي لا بديلًا عنه، مشددًا على أن العنصر البشري سيظل حجر الزاوية في العملية الإفتائية؛ لما يمتلكه من قدرة على استيعاب ظروف المستفتي، وفهم ملابسات سؤاله، وقراءة ما يصاحب ذلك من مؤشرات ودلالات إنسانية لا تستطيع الآلة إدراكها أو تقديرها.
المفتي: الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة ولا يمكن أن يلغي دور العنصر البشري
جاء ذلك خلال الحلقة النقاشية المفتوحة التي نظمتها مكتبة الإسكندرية، بحضور المهندس، أيمن عطية، محافظ الإسكندرية، والدكتور، أحمد زايد، مدير مكتبة الإسكندرية، وأدار الندوة، المستشار محمد الدمرداش، وشهدت الندوة تفاعلًا واسعًا من المشاركين، حيث تناولت عددًا من القضايا الفكرية والدينية والمجتمعية المعاصرة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي وتأثيراته في مختلف مناحي الحياة، كما استعرض فضيلته تجربة دار الإفتاء المصرية في توظيف هذه التقنيات، إلى جانب الحديث عن تاريخ الدار، ورسالتها العلمية والمجتمعية، وأبرز الوحدات والمراكز التابعة لها.
وبيَّن مفتي الجمهورية أن منظومة الذكاء الاصطناعي التي تعمل دار الإفتاء على تطويرها بُنيت على مصادر علمية معتمدة، وتُغذَّى بالمراجع الصادرة عن الأزهر الشريف، وبالتراث العلمي لدار الإفتاء المصرية، الذي يضم رصيدًا ضخمًا من الفتاوى المكتوبة والمؤرشفة، بما يوفر قاعدة معرفية واسعة تسهم في سرعة البحث والتصنيف، مع خضوع المنظومة للمراجعة والإشراف المباشر من المفتي، لافتًا إلى أن المنظومة تخضع بصورة مستمرة للتدريب والاختبار، وقد أثبتت كفاءتها في الالتزام بحدود اختصاصها؛ إذ أجابت في أحد الاختبارات عن سؤال لا يتوافر له رصيد علمي بقولها: «أنا لست مفتيًا، وعليك أن تبحث عن المفتي المختص أو الجهة المختصة»، وهو ما يعكس التزامها بعدم إصدار أي فتوى خارج نطاق المعلومات الموثقة.
المفتي: المؤسسات الدينية مطالبة بامتلاك أدوات الذكاء الاصطناعي لمواجهة الجماعات المتطرفة بلغتها ووسائلها
ونوَّه إلى أن المؤسسات الدينية لم تعد تعمل بمعزل عن التطورات التقنية، في ظل توظيف الجماعات المتطرفة للذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية لنشر أفكارها والتأثير في الرأي العام، الأمر الذي يفرض على المؤسسات الدينية امتلاك الأدوات نفسها، واستخدام الوسائل الحديثة بما يخدم رسالتها الوسطية ويعزز قدرتها على مواجهة الفكر المتطرف، كما تطرَّق الحوار إلى التخوفات المثارة بشأن توظيف الذكاء الاصطناعي في المجال الديني، حيث رحب فضيلة المفتي بهذه التساؤلات، مؤكدًا أن الذكاء الاصطناعي سيظل أداةً مساعدة للمفتي، ولن يحل محل التقدير العلمي والإنساني، موضحًا أن دوره يقتصر على تصنيف المعلومات، وتسريع الوصول إليها، والمساعدة في التكييف الأولي للمسائل، بينما يبقى إصدار الحكم الشرعي النهائي مسؤولية المفتي بعد دراسة الوقائع واستيفاء ملابساتها.
وأوضح أن دار الإفتاء المصرية تتعامل مع الأسئلة الواردة إليها وفق منهجية علمية دقيقة، تبدأ باستيضاح الوقائع، وقد تُحال بعض المسائل إلى اللجان والإدارات المختصة بحسب طبيعتها، بما يضمن إصدار الفتوى على أسس علمية راسخة، بعد التحقق من جميع التفاصيل والملابسات، ثم انتقل فضيلة مفتي الجمهورية إلى الحديث عن تاريخ دار الإفتاء المصرية.
وأضاف أن دار الإفتاء في مصر مؤسسة عريقة تمتد جذورها إلى بدايات التاريخ الإسلامي، وأن دار الإفتاء احتفلت قبل أشهر بمرور 131 عامًا على إنشائها، مشيرًا إلى أنها شهدت تطويرًا مؤسسيًّا كبيرًا جعلها مؤسسة مستقلة تؤدي رسالتها العلمية والإفتائية بكفاءة، مشددًا على أن الصورة الذهنية الشائعة عن دار الإفتاء لا تعكس حقيقة طبيعة عملها، فهي ليست جهة لإصدار الفتاوى فحسب، وإنما مؤسسة علمية وبحثية وتكنولوجية ومجتمعية متكاملة، تضم منظومة واسعة من الإدارات والوحدات المتخصصة التي تخدم المجتمع، وتعمل على تأهيل المفتين، ومواجهة القضايا الفكرية، وتعزيز التواصل العلمي والدولي.
وأكمل أن من أبرز هذه الوحدات وحدة الحوار، التي تُعنى بمخاطبة الشباب، وتصحيح المفاهيم، وإجراء المراجعات الفكرية، ومواجهة الأفكار المنحرفة، وذلك من خلال منهج متعدد التخصصات يضم إلى جانب علماء الشريعة خبراء في الطب وعلم النفس والاجتماع، انطلاقًا من قناعة بأن معالجة كثير من القضايا الفكرية تتطلب فهمًا علميًّا وإنسانيًّا متكاملًا، بما يعزز فرص التصحيح والإرشاد، ويرسخ قيم الوسطية والاعتدال.
واستعرض المفتي دور الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، التي تضم 111 عضوًا من 108 دول، وتمثل مظلة للمؤسسات الإفتائية الرسمية، وتسهم في تعزيز التعاون وتبادل الخبرات وتنسيق الجهود في مواجهة القضايا المعاصرة، مضيفًا أن دار الإفتاء المصرية تضم عددًا من المراكز والوحدات المتخصصة، من بينها مركز الإرشاد الأسري والمجتمعي، ووحدة الحوار، ومركز «سلام» لدراسات التطرف ومواجهة الإسلاموفوبيا، إلى جانب مركز التدريب، الذي يستقبل متدربين من مختلف دول العالم، ويقدم برامج مهنية متخصصة في الفتوى والإفتاء، فضلًا عن وحدة اللغات والترجمة، والمؤشر العالمي للفتوى، ووحدة الإصدارات العلمية، بما يعكس تنوع أدوار الدار واتساع نطاق رسالتها، مبينًا أن خدمات دار الإفتاء تتنوع بما يلبي احتياجات مختلف فئات المجتمع، إذ تشمل الفتوى الشفوية، والهاتفية، والإلكترونية، والمكتوبة، فضلًا عن الفتاوى المتعلقة بالقضايا المحالة إليها من جهات القضاء، في إطار منظومة متكاملة تجمع بين الأصالة الشرعية، والبحث العلمي، والتقنيات الحديثة، والعمل المجتمعي.
واختتم مفتي الجمهورية حديثه بالتأكيد أن ما شهدته دار الإفتاء المصرية من تطوير خلال السنوات الماضية عزز مكانتها بوصفها مؤسسة علمية وإفتائية متكاملة، قادرة على مواكبة تحديات العصر، وتأهيل المفتين، ومواجهة الأفكار المنحرفة، ونشر الفهم الصحيح للدين داخل مصر وخارجها.


