السبت 05 سبتمبر 2026
More forecasts: Wetter 4 wochen
رئيس التحرير
محمود المملوك
أخبار
حوادث
رياضة
فن
سياسة
اقتصاد
محافظات
محافظات

في باطن الأرض.. «القاهرة 24» داخل المدينة الأثرية المدفونة بالمنيا

سراديب تونا الجبل
محافظات
سراديب تونا الجبل
السبت 18/يوليو/2026 - 01:57 م

أسفل رمال الصحراء الغربية بمحافظة المنيا، وتحديدًا في منطقة تونا الجبل غرب مركز ملوي، تختبئ واحدة من أكثر المناطق الأثرية تميزًا في مصر، فبعيدًا عن المعابد والمقابر الظاهرة للعيان، تمتد شبكة واسعة من السراديب والأنفاق التي ارتبطت بعقائد المصريين القدماء، وشهدت طقوسًا دينية استمرت لقرون طويلة، لتظل حتى اليوم من أكثر المواقع الأثرية التي تجذب اهتمام الباحثين وعشاق التاريخ.

وتقع تونا الجبل على بعد نحو 10 كيلومترات غرب مدينة الأشمونين، وكانت الجبانة الرسمية للإقليم الخامس عشر من أقاليم مصر العليا، المعروف قديمًا باسم «إقليم الأرنب». وعُرفت المنطقة في العصر الفرعوني باسم «تاونس»، ثم حملت اسم «تاحنت» في العصر الروماني، ويعني الاسمان «البحيرة» أو «البركة»، في إشارة إلى بحيرة كانت تتكون بالمنطقة مع فيضان النيل، وبعد دخول العرب، تطور الاسم إلى «تونا الجبل» نسبة إلى طبيعتها الجبلية.

وتحظى المنطقة بمكانة أثرية كبيرة، إذ تضم مقبرة بيتوزيرس، ومقبرة إيزادورا، والساقية الرومانية، ولوحة حدود مدينة إخناتون، التي نُحتت على أحد صخور المنطقة، وتُظهر الملك إخناتون والملكة نفرتيتي وبناتهما أثناء التعبد للإله آتون، كما تكشف آثارها عن امتزاج واضح بين الفن المصري القديم والفن اليوناني، خاصة خلال العصرين البطلمي والروماني.

المعبود تحوت.. رمز الحكمة والمعرفة

ارتبطت تونا الجبل بالمعبود «تحوت»، الذي كان المعبود الرئيسي للإقليم الخامس عشر، واعتبره المصريون القدماء إله الحكمة والكتابة والعلوم والقمر. وصُور في هيئة طائر أبو منجل، أو رجل يحمل رأس الطائر، كما تم تجسيده أحيانًا في صورة قرد البابون.

سراديب «بير الطير»

يعرف أهالي المنطقة السراديب باسم «بير الطير»، وهي شبكة ضخمة من الممرات المحفورة في باطن الأرض تمتد لأكثر من ثلاثة كيلومترات في مختلف الاتجاهات، وشُيدت لتكون جبانة للحيوانات المقدسة المرتبطة بالمعبود تحوت، وعلى رأسها طائر أبو منجل وقرد البابون.

وكانت الحيوانات تُحنط بعناية، ثم توضع داخل توابيت خشبية أو حجرية أو فخارية قبل دفنها داخل السراديب باعتبارها قرابين دينية. وتشير الدراسات إلى أن المنطقة ضمت أعدادًا هائلة من هذه التوابيت، تراكمت على مدار قرون طويلة، وهو ما أدى إلى تلف جانب كبير منها بمرور الزمن.

حفائر كشفت أسرار المكان

وقال الدكتور ثروت الأزهري، مدير عام السياحة بالمنيا، إن تونا الجبل شهدت خلال القرن الماضي أعمال حفائر واسعة قادها عالم الآثار الدكتور سامي جبرة، الذي عمل بالمنطقة منذ ثلاثينيات وحتى خمسينيات القرن العشرين، وتمكن من إزالة كميات كبيرة من الرمال التي كانت تغطيها، وإنشاء فتحات للتهوية داخل السراديب، والكشف عن مداخل أربعة سراديب رئيسية تحمل الرموز A وB وC.

ثلاثة سراديب رئيسية

وأوضح الأزهري أن السرداب الأول (A) تم تخصيصه لدفن طائر أبو منجل وبعض الطيور المقدسة، مثل الصقر، ولم يُعثر بداخله على مومياوات لقردة البابون، وأسفرت أعمال التنقيب عن اكتشاف سلم أثري يتكون من 75 درجة، يُعتقد أنه كان المدخل الرئيسي للسرداب في العصور القديمة.

أما السرداب الثاني (B)، فيُعد الأوسع بين السراديب، ويضم ممرات طويلة ومتقاطعة جاءت انحناءاتها نتيجة طبيعة الصخور أثناء أعمال الحفر، بينما تنتشر على جدرانه كوات كانت تستخدم لحفظ مومياوات الطيور، ويُرجح أن يعود إلى العصر البطلمي.

ويُعد السرداب الثالث (C) أهم أجزاء الموقع، إذ يضم قاعة كانت تُقام بها الطقوس الدينية، وبداخلها مقصورة احتوت على مومياء لقرد البابون، وأمامها مائدة للقرابين، إلى جانب تمثال لقرد البابون يعلوه قرص القمر.

كما تضم المنطقة نقوشًا فلكية من العصر البطلمي تحمل اسم الملك بطليموس الثاني، وغرفًا لتحنيط طائر أبو منجل، ومكاتب للمحفوظات، بينما نُقلت بعض النقوش والزخارف التي كانت تزين المكان إلى متحف برلين، والمتحف البريطاني، والمتحف المصري.

تابوت «عنخ حور»

ومن أبرز القطع الأثرية الموجودة داخل السراديب تابوت الكاهن «عنخ حور»، أحد كهنة المعبود تحوت، والذي يرجع إلى الأسرة السادسة والعشرين، ويزن غطاء التابوت وحده نحو ثمانية أطنان.

وصُنع التابوت من أحجار منطقة طهنا الجبل بالمنيا، قبل نقله عبر نهر النيل إلى تونا الجبل، ثم إدخاله إلى السراديب ووضعه في مكانه، في مشهد يعكس دقة الأساليب الهندسية التي استخدمها المصريون القدماء في نقل الكتل الحجرية الضخمة.

موقع ما زال يحتفظ بأسراره

ورغم ما تعرضت له سراديب تونا الجبل من أعمال نبش وسرقة عبر العصور، فإنها لا تزال تحتفظ بجانب كبير من قيمتها الأثرية، وتواصل البعثات المصرية والأجنبية أعمال البحث والتنقيب داخلها، أملًا في الكشف عن مزيد من الشواهد التي تسهم في فهم تاريخ المنطقة، التي تعد واحدة من أهم المواقع الأثرية بمحافظة المنيا، وأحد أبرز الشواهد على تطور الفكر الديني والعمارة الجنائزية في مصر القديمة.

تابع مواقعنا