سينما تشبه الناس وتعيش في وجدانهم.. حكاية محمد خان المخرج الذي انحاز للإنسان البسيط في أعماله الفنية
تمر اليوم، 26 يوليو، الذكرى العاشرة لرحيل المخرج محمد خان، أحد أبرز صناع السينما الواقعية في مصر، وصاحب البصمة التي لم تعتمد على الإبهار بقدر اعتمادها على الإنسان العادي، بكل ما يحمله من أحلام وانكسارات وأسئلة.
رحل خان في مثل هذا اليوم عام 2016، لكنه ترك إرثًا سينمائيًا ما زال حاضرًا في ذاكرة الجمهور والنقاد، باعتباره أحد أهم رموز جيل الثمانينيات الذي أعاد تعريف السينما المصرية.
ذكرى رحيل المخرج محمد خان
وُلد محمد خان في القاهرة لأب باكستاني وأم مصرية، ونشأ في حي شهد بدايات شغفه بالفن السابع، كان منزل أسرته يطل على سينما مكشوفة، فتحولت شاشة العرض إلى نافذته الأولى على العالم، وأصبحت الأفلام جزءًا من يومياته قبل أن تصبح مهنته ورسالة حياته.
في منتصف الخمسينيات سافر إلى لندن لدراسة الهندسة المعمارية، لكن القدر كان يخبئ له طريقًا مختلفًا. هناك تعرّف إلى طالب يدرس السينما، فتبدلت أحلامه تمامًا، وقرر الالتحاق بمعهد السينما في لندن.
لم تمنحه الدراسة الأكاديمية فقط أدوات الإخراج، بل أتاحت له الاحتكاك بالمدارس السينمائية الأوروبية، وهو ما انعكس لاحقًا على أسلوبه المختلف الذي جمع بين الحس المصري واللغة السينمائية الحديثة.
عاد إلى مصر في الستينيات وعمل في قسم قراءة السيناريو بالشركة العامة للإنتاج السينمائي العربي تحت إدارة المخرج الكبير صلاح أبو سيف، لكنه لم يمكث طويلًا. انتقل بعدها إلى لبنان ليعمل مساعدًا لعدد من المخرجين، قبل أن تعيده الظروف إلى لندن بعد نكسة 1967.
وعندما عاد إلى القاهرة مجددًا في أواخر السبعينيات، كان يحمل مشروعًا سينمائيًا واضح الملامح، يبحث عن الإنسان قبل الحدث، وعن التفاصيل الصغيرة التي يصنع منها حكايات كبيرة.
جاءت انطلاقته الحقيقية بفيلم ضربة شمس عام 1978، الذي كشف منذ اللحظة الأولى عن مخرج يمتلك رؤية خاصة. لم يكن خان مهتمًا بتقديم البطل الخارق، بل فضّل الاقتراب من الشخصيات التي تشبه الناس في الشوارع والمواصلات والمقاهي، وجعل المدينة نفسها شريكًا في السرد، حتى بدت القاهرة في أفلامه كأنها شخصية حية تتنفس وتتغير مع أبطالها.
أعمال محمد خان
وخلال سنوات قليلة، قدم مجموعة من الأفلام التي أصبحت علامات بارزة في تاريخ السينما المصرية، من بينها طائر على الطريق، والحريف وخرج ولم يعد وزوجة رجل مهم وأحلام هند وكاميليا، وسوبر ماركت وفي شقة مصر الجديدة وأيام السادات، وبرغم اختلاف الموضوعات، جمعتها رؤية واحدة تؤمن بأن السينما الحقيقية تبدأ من الإنسان، لا من الديكور أو المؤثرات.
امتلك محمد خان قدرة نادرة على اكتشاف مناطق جديدة داخل الممثلين، فقدم مع عدد كبير منهم أعمالًا تُعد من أهم محطاتهم الفنية، كان يمنح أبطاله مساحة واسعة للتعبير، ويهتم بالتفاصيل البسيطة في الأداء، لذلك خرجت شخصياته صادقة وقريبة من الجمهور، وبقي كثير منها حاضرًا حتى اليوم.
ولم يقتصر عطاؤه على الإخراج، إذ شارك في كتابة قصة وسيناريو فيلم سواق الأتوبيس، للمخرج عاطف الطيب، وهو أحد أبرز أفلام الواقعية المصرية، كما خاض تجربة التمثيل في عدد من الأعمال، منها ملك وكتابة وبيبو وبشير وعشم، ليؤكد أن علاقته بالسينما كانت شاملة، لا تتوقف عند موقع واحد خلف الكاميرا.
ظل محمد خان سنوات طويلة يحمل جنسية والده الباكستانية، رغم أنه وُلد وعاش وعمل في مصر، إلى أن حصل على الجنسية المصرية عام 2014، في خطوة اعتبرها كثيرون تكريمًا مستحقًا لفنان ارتبط اسمه بالهوية المصرية، وقدم عبر أفلامه صورة صادقة للمجتمع وتحولاته.


