ثورة الجماهير تُسقط خطة إنفانتينو.. كيف أجبر عالم كرة القدم رئيس فيفا على التراجع مرتين؟
في عالم أصبحت فيه المصالح التجارية والاستثمارات الضخمة جزءًا لا يتجزأ من كرة القدم، ظن كثيرون أن صوت الجماهير لم يعد قادرًا على تغيير مسار اللعبة، لكن خلال خمس سنوات فقط، أثبتت جماهير كرة القدم العالمية العكس مرتين، بعدما لعبت دورًا رئيسيًا في إسقاط مشروعين من أكبر المشاريع التي هددت شكل اللعبة ومستقبلها.
كيف أجبر عالم كرة القدم رئيس فيفا على التراجع مرتين؟
المرة الأولى كانت في أبريل 2021، عندما أعلنت 12 من أكبر أندية أوروبا إطلاق بطولة “دوري السوبر الأوروبي” بالاتفاق مع فيفا، في خطوة كانت تهدف إلى إنشاء مسابقة مغلقة تضم كبار القارة بعيدًا عن مظلة الاتحاد الأوروبي لكرة القدم “يويفا”.
القرار أثار غضبًا غير مسبوقًا في الشارع الكروي، خرجت الجماهير إلى الشوارع، واحتشدت أمام ملاعب أنديتها، ورفض اللاعبون والمدربون والمسؤولون الفكرة، بينما أعلن "يويفا" معارضته للمشروع، كما تدخلت الحكومة البريطانية، لتتحول الضغوط الجماهيرية إلى نقطة تحول أجبرت الأندية الإنجليزية الستة على الانسحاب خلال أقل من 48 ساعة، قبل أن ينهار المشروع بالكامل.
وبعد 5 سنوات، تكرر المشهد، فقد طرح رئيس فيفا، جياني إنفانتينو، مشروع FIFA Forward Enterprise، الذي يقوم على إنشاء شركة تجارية جديدة تتولى إدارة الحقوق التجارية لكأس العالم وبطولات فيفا، مع بيع حصة منها لمستثمرين من القطاع الخاص، بدعوى توفير موارد مالية إضافية لتطوير كرة القدم ودعم الاتحادات الوطنية، خاصة في الدول الأقل دخلًا.
لكن المشروع واجه منذ اللحظة الأولى رفضًا واسعًا، ليس فقط من الجماهير، بل من معظم أركان منظومة كرة القدم، كان الاتحاد الأوروبي لكرة القدم أول المعارضين، ووصف الخطة بأنها محاولة لاستغلال كرة القدم وتحويلها إلى مشروع استثماري يخدم مصالح خاصة، كما انتقد اتحاد الكونكاكاف طريقة طرح المشروع، مؤكدًا أنه لم يُستشر بالشكل الكافي، وطالب بمزيد من الشفافية قبل اتخاذ أي قرار.
وأبدى الاتحاد الآسيوي لكرة القدم اعتراضه على عدم التشاور مع الاتحادات القارية، بينما أعلن الاتحادان الإنجليزي والفرنسي رفضهما للطريقة التي أُدير بها الملف، بسبب غياب الشفافية وعدم اطلاعهما على تفاصيل المشروع مسبقًا، وفي المقابل، اتخذ الاتحاد الإفريقي لكرة القدم موقفًا أكثر تحفظًا، معلنًا أنه سيدرس المشروع مع الاتحادات الأعضاء قبل إعلان موقفه النهائي.
ولم تتوقف الضغوط عند هذا الحد، إذ شهدت الأيام التالية حملة واسعة من جماهير كرة القدم عبر منصات التواصل الاجتماعي، بالتزامن مع استقالة كارلوس كورديرو، أحد أبرز مستشاري إنفانتينو، وهو ما زاد من حجم الأزمة داخل أروقة فيفا.
وأمام هذا الرفض الجماعي، لم يجد إنفانتينو سوى التراجع عن المشروع بعد أقل من أربعة أيام فقط من طرحه، مؤكدًا أن الخطة لن تُنفذ بعدما تسببت في انقسام داخل أسرة كرة القدم العالمية، وأن هدف فيفا سيظل توحيد اللعبة وليس تقسيمها.
ويعد هذا التراجع أحد أسرع التراجعات في تاريخ الاتحاد الدولي، كما أعاد إلى الأذهان الطريقة التي انهار بها مشروع دوري السوبر الأوروبي قبل خمس سنوات.
ورغم اختلاف المشروعين، فإن القاسم المشترك بينهما كان واحدًا؛ فكل منهما اصطدم بجدار الرفض الجماهيري والمؤسسي، ليؤكد أن كرة القدم، مهما اتسعت استثماراتها، لا تزال تُدار في النهاية بقوة جماهيرها.
وأثبتت الأزمتان أن الجماهير لم تفقد تأثيرها كما كان يُعتقد، بل لا تزال تمتلك القدرة على فرض إرادتها عندما تشعر بأن هوية اللعبة أو مستقبلها أصبحا على المحك، فمن إسقاط دوري السوبر الأوروبي في 2021، إلى إجبار رئيس فيفا على سحب مشروعه في 2026، بعثت جماهير كرة القدم برسالة واضحة مفادها أن القرارات الكبرى لا يمكن أن تُفرض بعيدًا عن أصحاب اللعبة الحقيقيين.




