رحيل من آمن بحلم ميسي.. حكاية خورخي ميسي من شوارع روزاريو إلى صناعة الأسطورة
لم يكن خورخي ميسي مجرد والد للنجم الأرجنتيني ليونيل ميسي، بل كان أحد أكثر الأشخاص تأثيرًا في مسيرته، بعدما رافقه منذ خطواته الأولى في مدينة روزاريو، مرورًا بقرار الانتقال إلى إسبانيا وهو في الثالثة عشر من عمره، وصولًا إلى المراحل الكبرى من مسيرته الاحترافية، حيث أصبح والده لاحقًا ممثله والمسؤول عن جانب كبير من مفاوضاته وقراراته المهنية.
وحسب تقرير نشرته صحيفة ماركا الإسبانية، فإن خورخي ميسي، بدأ حياته العملية بعيدًا تمامًا عن أجواء الشهرة، حيث كان يعمل لساعات طويلة في مصنع للمعادن بمدينة روزاريو، وكان يستيقظ في الرابعة فجرًا ويعود إلى منزله في موعد العشاء، وهو ما جعل الوقت الذي يقضيه مع أبنائه محدودًا للغاية.
وقال ليونيل ميسي في تصريحات سابقة عن والده: لدي الكثير من صفاته، لكنه كان يعمل طوال اليوم ولم يكن يقضي معنا وقتًا كبيرًا، كان يستيقظ في الرابعة صباحًا ويعود لتناول العشاء، عندما كنا نلتقي كنت أستمتع بذلك، ولم يكن يوبخني أبدًا، كنت أفتقده، واليوم أنا محظوظ لأنني أستمتع بوقت أكبر مع أبنائي، وأحاول أن أقتدي بوالديّ في تربيتهم.
أسرة ميسي.. البداية من روزاريو
كوّن خورخي ميسي مع سيليا كوتشيتيني أسرة مكونة من أربعة أبناء، هم ليونيل ورودريجو وماتياس وماريا سول، وعاشت العائلة لفترة طويلة حياة بعيدة عن الأضواء، داخل منزلها في شارع لافاييخا بمدينة روزاريو.
وفي تلك الفترة بدأ ليونيل خطواته الأولى في كرة القدم، حيث لعب في نادي جراندولي، قبل أن ينتقل إلى صفوف نيويلز أولد بويز، ويواصل رحلة تطوره التي كانت تبدو في ذلك الوقت مجرد حلم لطفل موهوب.

لكن حياة الأسرة تغيرت بشكل كبير بعد اكتشاف معاناة ليونيل من نقص هرمون النمو، وهي أزمة لم تكن مرتبطة بكرة القدم فقط، بل فرضت على الأسرة أعباء مالية كبيرة بسبب تكلفة العلاج.
قرار غيّر تاريخ العائلة
كان خورخي يعمل في شركة أسيندار، وبدأ في البحث عن حلول لمساعدة نجله على استكمال العلاج، وقال في وقت سابق: "كنت أعمل في أسيندار وتحدثت مع المؤسسة، الاثنان ساعداني في دفع تكاليف العلاج لمدة عامين، بعد ذلك أصبحت الأمور أكثر تعقيدًا، ولم يتمكنوا من الاستمرار في تحمل التكلفة".
ومع تعقد الوضع، ظهرت فرصة الانتقال إلى برشلونة، لتبدأ واحدة من أهم القرارات في تاريخ عائلة ميسي.

في سن الثالثة عشر فقط، غادر ليونيل روزاريو متجهًا إلى إسبانيا، وكان خورخي هو من تولى الجزء الأكبر من الإجراءات والتفاوض مع نادي برشلونة، من أجل ضمان تحمل النادي تكاليف علاج نجله.
كانت الخطوة بمثابة مغامرة كبيرة لعائلة قررت ترك حياتها في الأرجنتين من أجل مستقبل طفل صغير، لكنها في النهاية كانت بداية الطريق نحو واحدة من أعظم المسيرات في تاريخ كرة القدم.
من الأب إلى وكيل الأعمال
مع تطور ليونيل داخل أكاديمية برشلونة، تغير دور خورخي تدريجيًا، فلم يعد مجرد الأب الذي يرافق نجله، وإنما أصبح المسؤول عن إدارة الجانب الاحترافي من مسيرته.
ورغم أنه لم يكن يمتلك في البداية خبرة سابقة كوكيل لاعبين، تعلم خورخي كيفية إدارة العقود والمفاوضات والاتفاقات التجارية، حتى أصبح المسؤول الرئيسي عن حماية المصالح المهنية لنجله.

وقال خورخي في أكثر من مناسبة إن الهدف الأساسي كان أن يتركوا ليونيل يركز على كرة القدم فقط، بينما يتولى المحيطون به الملفات الأخرى، موضحًا: نحن نحاول أن نجعله يهتم فقط باللعب.
ومع مرور السنوات، أصبح خورخي حاضرًا في مفاوضات تجديد عقود ميسي مع برشلونة، إلى جانب الاتفاقات التجارية والرعاية وغيرها من الملفات المرتبطة بالنجم الأرجنتيني.
علاقة تتجاوز المال والعقود
ورغم تحول خورخي إلى ممثل ميسي في الجانب الاحترافي، فإن علاقتهما ظلت مرتبطة بالجانب الرياضي أيضًا.
وكان ليونيل يؤكد دائمًا أنه يحتاج إلى رأي والده، خاصة بعد المباريات، حيث كان يتواصل معه لمناقشة ما قدمه داخل الملعب.
وقال ميسي: في الأمور الرياضية أتحدث كثيرًا مع والدي، طوال مسيرتي كان بجانبي، كنت أنهي المباراة وأكتب له أو نتحدث عنها، كنت دائمًا بحاجة إلى موافقة والدي، منذ أن كنت صغيرًا، كنت أنهي المباراة وأسأله.

كما وصف ميسي انتقادات والده بأنها كانت سببًا في دفعه إلى التطور المستمر: والدي ساعدني كثيرً،. هذا النقد المستمر جعلني أرغب دائمًا في التطور، لكنه يعرف أن أكثر شخص ينتقدني هو أنا.
وفي المقابل، كان يرى أن والدته سيليا تنظر إليه دائمًا باعتباره الأفضل، حتى عندما لا يقدم أفضل مستوياته، في صورة تعكس اختلاف الدور بين والديه في حياته.
حاضر في أصعب قرارات مسيرته
ازدادت أهمية خورخي مع وصول ميسي إلى قمة كرة القدم العالمية، وأصبح حاضرًا في عدد من أصعب القرارات التي مر بها اللاعب.
وفي عام 2021، كان خورخي جزءًا من المشهد خلال الأزمة التي انتهت برحيل ميسي عن برشلونة، بعدما تعذر التوصل إلى اتفاق لاستمراره مع النادي الكتالوني، قبل انتقاله إلى باريس سان جيرمان.

وبعد عامين، شارك أيضًا في المحادثات التي سبقت انتقال ميسي إلى إنتر ميامي، والتقى مسؤولي النادي وعلى رأسهم خورخي ماس، لتنتهي المفاوضات بوصول النجم الأرجنتيني إلى الدوري الأمريكي.
وهكذا، فإن قصة خورخي ميسي لا يمكن اختزالها في كونه والد أحد أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ؛ فهو الرجل الذي عاش سنوات العمل الشاق في روزاريو، واتخذ قرار الرحيل إلى إسبانيا من أجل علاج نجله ومستقبله، ثم تحول مع الوقت إلى ممثله ومستشاره وأحد أهم الأصوات التي ظل ميسي يبحث عنها حتى بعد وصوله إلى قمة اللعبة، قبل أن يتوفى اليوم السبت 8 أغسطس 2026.


