مجلس الشعب السوري.. جواز دبلوماسي للجولاني وتوزيع غنائم الحرب
هل تعتقد حقًا أن من حسم السيطرة على دمشق ميدانيًا، ينتظر ورقة اقتراع منك ليشرعن وجوده؟ أم أنك تصدق أن قاعةً مليئة بالوجوه المختارة بمسطرة الولاء، أُقيمت لكي يصل صوت السوريين لحكومة الأمر الواقع؟ والسؤال الذي يجب أن يصفع الجميع ليس: هل يمثلنا مجلس الشعب؟ إنما: لحساب مَن أُقيم هذا السيرك أصلًا؟ ومن يجلس في المقصورة يصفق؟
لا يحتاج الجولاني لمجلس الشعب ليصل إلى السوريين؛ فقد وصل إليهم محمولًا على أكتاف صفقة مخابرات دولية، من ضمنها روسيا، هو يحتاج مجلس الشعب بوصفه جواز سفر دبلوماسيًا وشهادة منشأ سياسية لتحويل ملف جهادي خرج من رحم القاعدة وداعش إلى حقيبة يد أنيقة تعبر بها الحدود دون تفتيش. ليغدو مجلس الشعب مغسلة سياسية، تدخلها سيرة ملطخة وتخرج منها شخصية توافقية دولية.
هل صُنع المجلس للسوري الذي تعتصر حياته سلطات الأمر الواقع، أم صُنع ليكون غلافًا مؤسسيًا لصفقة جيوسياسية تتوزع فيها سوريا بين مصالح أميركا وتركيا وإسرائيل فوق أنقاض النفوذ الإيراني؟ لكن الواقع يقول إن ما تم هو أحد قراءات فقه الغنيمة السياسية واحتكار مقدرات الدول وتوزيع الحصص والمقاعد كما تُوزَّع الجواري. وحين تختار السلطة ممثلي الأقليات أو المحافظات، فهي تصنع نسختها المُدجَّنة عنهم ولا تمنحهم حق القرار، وتضعهم كرهائن رمزيين للصورة الوطنية كلما احتاجت أن تثبت للخارج أن الموزاييك الوطني مكتمل.
لم يكن على الجولاني أن يثبت لواشنطن أو للعواصم الغربية أنه أصبح ديمقراطيًا؛ كان عليه فقط أن يثبت أنه أصبح مفيدًا لهم. فمجلس الشعب ليس مؤسسة تشريعية للداخل، بل هو سوق دولية لإعادة تسعير سوريا؛ حيث يُعاد تدوير النفوذ وتغليف التوافقات الأمنية بلغة البيروقراطية والمؤسسات. وسوريا اليوم تتحول أمام أعيننا إلى بورصة جيوسياسية، تستهدف شرعنة الجولاني وظيفيًا، فيما تتقاطر القوى الإقليمية والدولية لشراء حصصها من هذا السهم وفق مصالحها المباشرة.
مجلس الشعب إذن، الذي يمثل قبة تشريعية، أصبح رصيف ميناء تُفرَّغ عليه سوريا صندوقًا صندوقًا: صندوق لأمن إسرائيل، وصندوق تركي لكبح الحلم الكردي بالاستقلال، وصندوق لعقود الإعمار الخليجية، وصندوق أخير لحدود إسرائيلية هادئة.
لكن الغنيمة الأخطر هنا تتجاوز مقاعد الحاضر؛ فالسلطة الانتقالية التي تصوغ القواعد التأسيسية، لا تكتفي بإدارة المشهد الراهن فحسب، بل تستحوذ على حق الأجيال القادمة في كتابة قدرها، مغلقةً القوس الدستوري والمؤسساتي على مقاسها، لتضمن ألا يدخل المجلس لاحقًا إلا من يملك تصريحًا صريحًا منها، أي يدور في فلك عقيدتها الجهادية.
وبالنتيجة، لم يُنشأ مجلس الشعب للسوري الذي لم ينتخبه ولم يُسأل عن رأيه، بل أُنشئ للعالم الذي يريد أن يرى على الطاولة مؤسسةً يسهل استدعاؤها للتوقيع باسم السوريين على بيع التوازنات الجديدة.
إنها ليست قصة مجلس شعب يُبنى كما كان يأمل السوريون، بل قصة وطن يُعاد تسعيره وتوزيع ثرواته فوق أنقاض مرحلة كاملة من الدمار، يبدو أنها لم تتوقف بسقوط الأسد.


