الجمعة 04 سبتمبر 2026
More forecasts: Wetter 4 wochen
رئيس التحرير
محمود المملوك
أخبار
حوادث
رياضة
فن
سياسة
اقتصاد
محافظات
محافظات

الطب أولًا بالاستحقاق لا بالمجموع.. رسالة إلى وزير التعليم العالي بعد نتائج كليات الصعيد

السبت 15/أغسطس/2026 - 11:26 م

تابعت خلال الأيام الماضية ما أعلنته عدد من جامعات الصعيد بشأن نتائج الفرقة الأولى بكليات الطب، وهي النتائج التي جاءت بنسب نجاح منخفضة جعلت هذه الكليات حديث الساعة ليس في الأوساط الأكاديمية فقط ولكن في الشارع المصري، لأن بعضها لم يتجاوز ربع عدد الطلاب، ورغم أن هذه النتائج أثارت حالة من الجدل، فإنني بصراحة لم أكن مندهشًا منها، بل كنت أتوقع أن نصل إلى هذه اللحظة في مرحلة ما، لأن ما يحدث اليوم داخل كليات الطب في جانب كبير منه نتيجة لما حدث خلال السنوات الماضية في التعليم قبل الجامعي، وتحديدًا في الثانوية العامة.

والأرقام التي خرجت بها نتائج كليات الطب في الصعيد تكشف حجم المشكلة بوضوح؛ ففي كلية الطب بجامعة أسوان بلغت نسبة النجاح في الفرقة الأولى 23.9% فقط، بعدما نجح 98 طالبًا من أصل 413 طالبًا، بينما يحق لـ315 طالبًا دخول امتحانات الدور الثاني، وفي جامعة جنوب الوادي بقنا، لم تتجاوز نسبة النجاح 33%، مقابل 67% لم يجتازوا امتحانات الدور الأول، أما كلية الطب بجامعة أسيوط، فبلغت نسبة النجاح 44% من إجمالي 867 طالبًا، بينما وصلت في طب أسيوط الأهلية إلى 47%، وفي جامعة سوهاج بلغت 51.03%، مقابل 58.1% في طب سوهاج الأهلية.

وبالطبع، لا يمكن اعتبار كل من يخوض امتحانات الدور الثاني راسبًا نهائيًا، وهو ما أكدته الجامعات نفسها، لكن اللافت هنا ليس فقط انخفاض النسب، وإنما أن هذه النتائج تتكرر في أكثر من كلية طب، وهو ما يستحق أن يدفعنا إلى البحث عن السبب الحقيقي وراء وصول طلاب بهذه المستويات إلى مقاعد كليات الطب من الأساس.

وهنا أجد نفسي أمام سؤال آخر، وربما يكون أهم من أرقام النجاح والرسوب نفسها: لماذا خرجت الجامعات لتبرير هذه النتائج؟ لأنني وجدت نفسي مستغربًا بصراحة من موقف الجامعات التي وجدت نفسها في حاجة إلى الدفاع عن نسب النجاح، وكأنها ارتكبت ذنبًا يجب أن تعتذر عنه، فالجامعات لم ترتكب هذا الذنب، وكليات الطب تحديدًا لم تفعل سوى تطبيق اللوائح والامتحان على طلابها وفقًا لما يجب أن يكون عليه التعليم الطبي.

وخرج رؤساء الجامعات لتوضيح حقيقة هذه النتائج، والتأكيد على أن ارتفاع أعداد الطلاب الذين لم يجتازوا الدور الأول لا يعني بالضرورة وجود مشكلة في التصحيح، وإنما يعكس تطبيق المعايير الأكاديمية المطلوبة في كليات الطب.

وأكد الدكتور أحمد عكاوي، رئيس جامعة جنوب الوادي، أن قطاع الطب له خصوصية كبيرة لارتباطه المباشر بصحة وحياة المواطنين، وأن الطالب الذي لا يمتلك الحد الأدنى من المعارف والمهارات المطلوبة لن يتخرج مهما كانت الضغوط، وهو في رأيي موقف يُحسب للجامعة، لأن وظيفة كلية الطب في النهاية ليست صناعة نسب نجاح مرتفعة، وإنما تخريج طبيب مؤهل.

أما الدكتور أحمد المنشاوي، رئيس جامعة أسيوط وقتها والذي بلغ السن القانونية للمعاش مطلع هذا الشهر، فأكد أن ما أُثير حول نسب الرسوب استند في جانب منه إلى تفسير غير دقيق للبيانات، نتيجة احتساب جميع الطلاب الذين يحق لهم دخول امتحانات الدور الثاني ضمن الراسبين، موضحًا أن الطالب الذي يخوض امتحانات الدور الثاني لا يُصنف راسبًا بصورة نهائية، وإنما يحصل على فرصة لاستكمال نجاحه وفقًا للوائح المنظمة.

 كما أكد الدكتور حسان النعماني، رئيس جامعة سوهاج، أن انخفاض نسب النجاح في السنوات الأولى من دراسة الطب ليس أمرًا استثنائيًا، وأن الهدف الأساسي يجب أن يظل تخريج طبيب يمتلك الكفاءة العلمية والعملية، وليس تحقيق نسب نجاح مرتفعة بصورة صورية.

وعلى عكس ما صرح به رؤساء الجامعات، كنت أتمنى أن تخرج بياناتهم لتوجه الشكر إلى كليات الطب وأعضاء هيئة التدريس بها، لأن الجامعة التي ترفض أن تمنح شهادة لطالب لا يمتلك الحد الأدنى من المعرفة والمهارات اللازمة لممارسة الطب، تقوم بدورها كما يجب، الطبيب  الذي سيكون مسؤولًا عن حياة مريض، إعداده مهمة وطنية وأي تساهل في معايير تخريجه لا يمكن التعامل معه باعتباره مجاملة للطالب أو حرصًا على رفع نسب النجاح، بل هدم في مستقبل الأجيال.

 انخفاض نسب النجاح في كليات الطب قد يكون أمرًا موجودًا في جامعات كثيرة، لكن ما أراه مهم هنا هو، أن علينا ألا نتوقف عند النتيجة وإنما نسأل عن السبب الذي أوصل هؤلاء الطلاب إلى مقاعد كليات الطب من الأساس، بعد أن أصبح ذلك شائعا بطب الصعيد، وهنا نعود إلى السنوات الماضية، وإلى الثانوية العامة، وإلى ما شهدته بعض لجان الامتحانات من وقائع غش جماعي واستخدام السماعات ووسائل الغش الإلكتروني، خصوصًا في بعض المناطق التي ارتبط اسمها بما عُرف إعلاميًا بـ«لجان أولاد الأكابر»، ولا أتحدث هنا عن جميع طلاب الصعيد بالطبع، ولا يمكن بأي حال من الأحوال تعميم الاتهام على محافظة أو منطقة أو جيل كامل، وإنما أتحدث عن ظاهرة موثقة شهدناها جميعًا، وكانت نتيجتها الطبيعية أن يحصل بعض الطلاب على درجات لا تعكس مستواهم الحقيقي.

والمشكلة أن الدرجة التي يحصل عليها الطالب في الثانوية العامة لا تبقى مجرد رقم على ورقة، وإنما تتحول إلى مقعد في كلية الطب، وعندما يحصل طالب على هذا المقعد بدرجة لا تعكس مستواه الحقيقي، فإنه لا يأخذ مقعدًا فقط، وإنما يأخذ مكان طالب آخر كان يمكن أن يستحقه بالفعل، ثم يصل إلى أول اختبار حقيقي داخل الجامعة، فلا يجد أمامه سماعة تنقله من مادة إلى أخرى، وإنما يجد منهجًا يحتاج إلى الفهم والدراسة والمذاكرة والتطبيق، وهنا تظهر الحقيقة، فنجد الرسوب واقعا والتحويل من الكلية أمر حتمي، فهنا يكون الطالب سرق حلم زميل لها، وسرق مقعد من المجتمع.

وأخشى أن نكتشف بعد خمس سنوات أننا أمام مشكلة أكبر، فإذا استمر التحاق طلاب لا يمتلكون الأساس العلمي الكافي بكليات الطب، فقد نجد أعدادًا كبيرة منهم أمام الرسوب أو التحويل بعد أول اختبار حقيقي لقدراتهم، وهنا نكون قد أضعنا مقعدين في الوقت نفسه؛ مقعد طالب مجتهد كان يستحق دخول كلية الطب، ومقعد طبيب كان يمكن أن يتخرج وينضم إلى أعداد الأطباء العاملين في مصر أو خارجها.

وفي الوقت الذي يحتاج السوق المصري لأى طبيب، نجد أن هناك أعداد كبيرة لا تستطيع الاستمرار أو تضطر إلى التحويل بعد الرسوب في العام الأول، وهذه هي الأزمة التي أحذركم منها من الآن، فإن سوق العمل المصري في حاجة إلى الأطباء، والطبيب المصري عليه طلب كبير في الخليج وأوروبا، لذا رسوب الأطباء يضرب السوق ويضرب سمعة الطبيب المصري الذي يهاجر سنويا للخارج.

 وأنا لا أرى في سفر الطبيب المصري للعمل بالخارج مشكلة، بل أراه أمرًا إيجابيًا للغاية، فأن يصل خريج الجامعة المصرية إلى مستشفى عالمي بل يترأس هذه المؤسسة وهنا أذكر الدكتور هاني عتيبة رئيس الملكية للجراحين ببريطانيا والدكتور محمد الألفى رئيس الكلية الملكية لأطباء العيون فهو مصدر فخر للدولة والجامعة وأكبر دليل على جودة الأطباء المصريين، ولذلك، نحن لا نحتاج إلى زيادة أعداد خريجي الطب بأي شكل.

لذا من المهم أن يكون الطب في مصر بالاستحقاق لا بالمجموع، وهنا أقترح على الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، أن تبدأ الوزارة دراسة وضع اختبار تأهيلي للطلاب الراغبين في الالتحاق بكليات الطب، على غرار اختبارات القدرات، بحيث يكون اجتيازه شرطًا للقبول إلى جانب الحد الأدنى الذي يحدده مكتب التنسيق، ولا أقصد أن يكون الاختبار وسيلة لتعقيد حياة الطلاب، وإنما أداة لقياس الحد الأدنى من الاستعداد العلمي والمنطقي لدراسة الطب.

فمجموع الثانوية العامة وحده ربما لا يكون كافيًا للحكم على قدرة الطالب على دراسة تخصص بهذه الصعوبة، خصوصًا مع ما شهدته بعض السنوات من مشكلات الغش ووسائل الغش الإلكتروني، ويمكن أن يبدأ تطبيق هذا الاختبار في المحافظات التي شهدت وقائع غش جماعي واسعة، ثم تقييم التجربة قبل تعميمها، وتكون هذه الامتحانات بمثابة اختبارات قدرات ولا يلتحق بالتنسيق في كلية الطب إلا من اجتاز هذا الاختبار. 

وهنا لا أتحدث فقط عن اختبار جديد، وإنما عن حماية قيمة الاجتهاد نفسها فالطالب الذي يرى زميلًا يدخل امتحان الثانوية العامة بالسماعة ويحصل على مجموع يؤهله لكلية الطب، بينما هو يقضي ساعات طويلة في المذاكرة، قد يسأل نفسه: «أنا أذاكر ليه؟».. وهذه الجملة في رأيي أخطر من نتيجة امتحان، لأنها تعني أن الغش بدأ يتحول من مخالفة إلى نموذج يراه البعض طريقًا أسهل لتحقيق النجاح، وهذه هي الحقيقة المرة،  ونحن أمام فرصة حقيقية لإعادة النظر في فلسفة القبول بكليات الطب، ليس فقط من أجل نتائج أفضل، وإنما من أجل مستقبل أفضل للطبيب المصري والمريض المصري معًا.

لا نريد أن يدخل كلية الطب كل من حصل على مجموع مرتفع، وإنما نريد أن يدخلها من يستحق، ومن يستطيع، ومن سيكون بعد سنوات طبيبًا جديرًا بأن نضع بين يديه حياة إنسان فالطب ليس مقعدًا جامعيًا فقط، وإنما مسؤولية تبدأ من لحظة القبول، وتستمر حتى آخر يوم في حياة الطبيب المهنية.

تابع مواقعنا