الجمعة 04 سبتمبر 2026
More forecasts: Wetter 4 wochen
رئيس التحرير
محمود المملوك
أخبار
حوادث
رياضة
فن
سياسة
اقتصاد
محافظات
محافظات

90 دقيقة في العلمين.. من نزع السلاح إلى إعادة رسم خريطة فلسطين

الإثنين 17/أغسطس/2026 - 11:46 ص

لم تكن التسعون دقيقة التي جمعت جاريد كوشنر بوفد حركة حماس في العلمين مجرد وقت عابر على ساعة المفاوضات، بل بدت أقرب إلى لحظة سياسية تختزن أسئلة أكبر من تفاصيل اجتماع مغلق.
ففي العلمين، حيث البحر مفتوح على الأفق، كانت أبواب السياسة مغلقة على واحد من أكثر الملفات تعقيدًا في الشرق الأوسط: من يحكم غزة؟ ومن يحمل السلاح؟ وما موقع حماس في فلسطين ما بعد الحرب؟

من الحرب إلى سؤال اليوم التالي، اللافت في المشهد أن النقاش لم يعد يدور فقط حول وقف إطلاق النار أو قضية الأسرى أو إدخال المساعدات، هذه الملفات أصبحت جزءًا من صورة أوسع عنوانها ماذا بعد الحرب؟.


في هذا السياق، تأتي اللقاءات التي جمعت كوشنر ونيكولاي ملادينوف وتوني بلير مع الوسطاء من مصر وقطر وتركيا، ثم مع وفد حماس، لتفتح الباب أمام مرحلة مختلفة؛ مرحلة لا تبحث فقط عن إطفاء نار الحرب، وإنما عن إعادة ترتيب البيت الفلسطيني نفسه.


وبحسب معلوماتي، إن وفد حماس أبدى استعدادًا للتعامل مع ملف نزع السلاح، بل وناقش تفاصيله وآلياته، في اجتماع وصف بأنه كان مثمرًا للغاية، لكن العبارة الأهم ليست في وصف الاجتماع، وإنما في السؤال الذي تخفيه: إذا كانت حماس مستعدة لتقديم تنازلات في ملف السلاح، فما الثمن السياسي الذي ستدفعه، وما المقابل الذي سيعرض عليها؟.


حماس خارج الحكم أم خارج المشهد؟، هنا تبدأ المنطقة الأكثر حساسية، فالمقترحات المطروحة لا تبدو محصورة في إعادة إعمار غزة أو إدارة المرحلة الانتقالية، وإنما تتجه إلى إعادة تعريف العلاقة بين الحركة والقطاع، وحكومة تكنوقراط فلسطينية قد تتولى إدارة غزة.
 

حماس قد تستبعد من إدارة القطاع مستقبلًا، السلاح قد يدخل مسارًا تدريجيًا نحو التفكيك، قوة دولية تطرح لضمان الاستقرار وحماية مسار إعادة الإعمار، وبذلك، فإن المسألة لا تصبح مجرد نزع سلاح تنظيم مسلح، وإنما إعادة صياغة المعادلة التي حكمت غزة لسنوات.
 

فالسلاح في الحالة الفلسطينية لم يكن مجرد بند أمني؛ كان جزءًا من هوية سياسية، ووسيلة نفوذ، وأداة تفاوض، وعنوانًا لصراع طويل حول شكل المقاومة ومستقبل النظام السياسي الفلسطيني، ولهذا فإن تفكيك البنية العسكرية، إن حدث، سيكون تحولًا تاريخيًا لا يقل أهمية عن التحولات التي سبقت قيام السلطة الفلسطينية نفسها.


من الفصيل إلى الحزب؟


الأكثر إثارة في الكواليس هو ما ينسب إلى حماس من استعداد للتحول إلى حزب سياسي فاعل داخل النظام الفلسطيني، وهنا، إن صحت هذه المعطيات، فنحن لا نتحدث عن تنازل تكتيكي، بل عن تحول في تعريف الحركة لذاتها.


حماس التي دخلت الانتخابات، ثم سيطرت على قطاع غزة، ثم خاضت سنوات طويلة من الصراع العسكري والسياسي، قد تجد نفسها أمام معادلة جديدة، أن تنتقل من منطق الحكم بالقوة والسلاح إلى منطق الحضور السياسي والانتخابي، أي أن تتخلى عن موقعها كسلطة أمر واقع، مقابل الاحتفاظ بمساحة داخل النظام السياسي الفلسطيني.


وهذه ليست معادلة سهلة، فالسؤال الحقيقي لن يكون هل ستشارك حماس في السياسة؟، بل هل يمكن أن تصبح حماس جزءًا من النظام السياسي الذي لطالما خاضت صراعًا على تعريفه؟.


الانتخابات.. الباب الخلفي إلى المشهد الجديد


في موازاة ذلك، تبرز الانتخابات الفلسطينية المقبلة باعتبارها أحد أهم مفاتيح المرحلة.
وتتحدث معلوماتي عن احتمال مشاركة شخصيات قريبة من حماس في الانتخابات، دون أن تخوض الأسماء المعروفة بانتمائها المباشر للحركة السباق الانتخابي تحت اسمها الصريح، وفي إطار ترتيبات سياسية يقال إن واشنطن تضع لها شروطًا وضوابط.


والأكثر إثارة أن هذه المشاركة قد تتم تحت مظلة سياسية مرتبطة بمحمد دحلان وتيار الإصلاح في حركة فتح، إذا صح هذا السيناريو، فإننا أمام مفارقة سياسية شديدة الدلالة.


حماس التي خاضت صراعًا مريرًا مع فتح، قد تجد طريقها إلى الانتخابات عبر مظلة محسوبة على شخصية فتحاوية كانت هي الأخرى جزءًا من صراعات النظام الفلسطيني الداخلية، وكأن السياسة، بعد أن عجزت عن إنهاء الخصومة، تبحث عن طريقة جديدة لإعادة توزيعها.
 

دحلان.. حين تلتقي الخصومات القديمة عند طاولة جديدة


دخول اسم دحلان على خط هذه الترتيبات، إن حدث، يضيف طبقة أخرى من التعقيد، فالرجل الذي يمثل أحد أبرز مراكز الثقل في المعادلة الفلسطينية خارج مؤسسات السلطة في رام الله، يمتلك علاقات إقليمية ودولية واسعة، بينما تمتلك حماس قاعدة اجتماعية وسياسية لا يمكن تجاهلها، والجمع بين الطرفين، ولو بصورة غير مباشرة، يعني أن المرحلة المقبلة قد لا تكون مجرد مصالحة فلسطينية تقليدية بين فتح وحماس، وإنما إعادة تركيب للخريطة السياسية بأكملها.
 

قد تختفي بعض الأسماء من الواجهة، وتظهر شخصيات جديدة، قد تتراجع الفصائلية لصالح تحالفات انتخابية، وقد يصبح معيار القبول الدولي والإقليمي جزءًا أساسيًا من تشكيل المشهد السياسي الفلسطيني المقبل.


غزة أمام مفترق طرق


في نهاية المطاف، تبدو غزة أمام خيارين متناقضين، إما أن تعود إلى معادلة ما قبل الحرب، بكل ما تحمله من انقسام وسلاح وحصار وصراع على الشرعية، وهذا بعيد حدًا في ظل وجود إسرائيل في القطاع، وإما أن تدخل في عملية إعادة بناء شاملة، لا تعيد إعمار الحجر فقط، بل تعيد تعريف السياسة والسلاح والسلطة والانتخابات والعلاقة مع الإقليم والمجتمع الدولي.
 

والخيار الثاني، إن بدأ، لن يكون مجرد اليوم التالي للحرب، إنه سيكون اليوم التالي لمرحلة كاملة من التاريخ الفلسطيني، فغزة التي عرفت حماس فيها بوصفها حركة مقاومة وسلطة حاكمة، قد تصبح أمام نموذج جديد: حركة تتحول إلى حزب، وقطاع يدار بواسطة تكنوقراط، وسلاح يدخل مسار التفكيك، وقوة دولية تراقب الاستقرار، وانتخابات تعيد توزيع الشرعية.
 

لكن كل ذلك يظل مرهونًا بالسؤال الأصعب: هل يمكن بناء نظام سياسي فلسطيني جديد من دون اتفاق فلسطيني حقيقي على قواعد اللعبة؟.


العلمين.. أكثر من اجتماع


لهذا تبدو التسعون دقيقة في العلمين بين وفد حماس وكوشنر أطول من زمنها، فخلف الأبواب المغلقة لم يكن النقاش، على الأرجح، حول غزة وحدها، كان النقاش حول شكل فلسطين المقبلة.


فلسطين التي قد تنتقل من زمن الفصائل إلى زمن الأحزاب، ومن حكم الأمر الواقع إلى حكم المؤسسات، ومن السلاح بوصفه أداة سياسية إلى السلاح بوصفه ملفًا تفاوضيًا قابلًا لإعادة التعريف، وقد تكون هذه بداية إعادة بناء المشهد من جذوره، لكن التاريخ الفلسطيني علم الجميع أن الطريق بين التفاهم على الورق وتغيير الواقع على الأرض طويل وشائك ومليء بالأسئلة.


ويبقى السؤال الذي سيحسم كل شيء: هل نحن أمام صفقة سياسية جديدة تعيد تشكيل غزة فقط، أم أمام مشروع أكبر لإعادة رسم النظام السياسي الفلسطيني كله؟
 

في العلمين، ربما بدأت الإجابة، لكنها حتى الآن، ما زالت خلف الأبواب المغلقة.

تابع مواقعنا