مفوضية مكافحة التمييز.. استحقاق دستوري لم يعد يحتمل التأجيل
لم تعد قضية مكافحة التمييز في مصر ترفًا فكريًا أو رفاهية تشريعية يمكن تأجيلها إلى أجل غير مسمى، بل أصبحت ضرورة ملحة تفرضها تطورات المجتمع وما نشهده بصورة شبه يومية من وقائع وخطابات وممارسات تحمل صورًا مختلفة من التمييز والعنف والتحريض على الكراهية.
فمع انتشار منصات التواصل الاجتماعي واتساع مساحة النقاش العام، أصبح المواطن يستيقظ كل يوم تقريبًا على واقعة جديدة تثير الجدل حول التمييز، وآخرها الواقعة المتداولة التي ارتبطت بلاعب في نادي الاتحاد السكندري، وهي واقعة ــ بغض النظر عن تفاصيلها ومسؤوليات أطرافها ــ تعيد فتح النقاش حول سؤال أكبر وأهم: هل نملك في مصر الإطار المؤسسي المتكامل القادر على مواجهة مختلف أشكال التمييز والحد منها؟
الإجابة ببساطة: نحن في حاجة إلى هذا الإطار، وبحاجة إليه الآن.
المادة 53.. نص دستوري ينتظر التنفيذ
دستور مصر الصادر عام 2014 لم يترك قضية المساواة ومكافحة التمييز للمصادفة، بل حسمها بشكل واضح في المادة 53، التي أقرت أن المواطنين لدى القانون سواء، وأنهم متساوون في الحقوق والحريات والواجبات العامة، دون تمييز بسبب الدين أو العقيدة أو الجنس أو الأصل أو العرق أو اللون أو اللغة أو الإعاقة أو المستوى الاجتماعي أو الانتماء السياسي أو الجغرافي، أو لأي سبب آخر.
والأهم أن المادة لم تكتفِ بإعلان مبدأ المساواة، وإنما نصت صراحة على أن التمييز والحض على الكراهية جريمة يعاقب عليها القانون، وأن الدولة تلتزم باتخاذ التدابير اللازمة للقضاء على كافة أشكال التمييز، وأن القانون ينظم إنشاء مفوضية مستقلة لهذا الغرض.
إذن نحن لا نتحدث عن مطلب مستحدث، ولا عن فكرة مستوردة، ولا عن أجندة تخص فئة بعينها، وإنما نتحدث عن استحقاق دستوري واضح.
وبعد مرور نحو اثني عشر عامًا على صدور دستور 2014، يصبح السؤال مشروعًا: إلى متى سيظل إنشاء المفوضية مؤجلًا؟
التمييز ليس دينيًا فقط
من الأخطاء الشائعة اختزال قضية التمييز في التمييز الديني فقط، بينما النص الدستوري نفسه جاء أوسع بكثير.
فالتمييز قد يكون بسبب الجنس، أو اللون، أو الأصل، أو اللغة، أو الإعاقة، أو المستوى الاجتماعي، أو الانتماء السياسي أو الجغرافي، أو لأي سبب آخر.
وقد يظهر التمييز في مكان العمل، أو في التعليم، أو في الحصول على الخدمات، أو في المجال الرياضي، أو في الإعلام، أو على منصات التواصل الاجتماعي، أو في التعاملات اليومية بين المواطنين.
والأخطر أن بعض صور التمييز تتحول تدريجيًا إلى تنمر وإقصاء وتحريض على الكراهية، ثم إلى عنف لفظي أو مجتمعي، وهو ما يجعل المواجهة المبكرة أكثر أهمية من انتظار تفاقم الأزمة.
نحن أمام مجتمع متنوع بطبيعته، وهذه التعددية لا ينبغي أن تكون مصدرًا للصدام، وإنما مصدرًا للقوة. والمواطنة الحقيقية تعني أن يكون القانون هو المظلة التي تحمي الجميع، دون تمييز أو استثناء.
المفوضية ليست محكمة جديدة
وقد يكون من المهم التأكيد أن إنشاء مفوضية لمكافحة التمييز لا يعني بالضرورة إنشاء جهاز قضائي جديد ينافس مؤسسات الدولة، وإنما يعني وجود مؤسسة مستقلة ومتخصصة تمتلك أدوات الرصد والتوعية وتلقي الشكاوى ودراسة أنماط التمييز واقتراح السياسات والتشريعات اللازمة لمواجهتها، مع إحالة ما يستوجب الإحالة إلى الجهات المختصة وفقًا للقانون.
فمواجهة التمييز لا تبدأ دائمًا من المحكمة، وإنما تبدأ أحيانًا من اكتشاف المشكلة، وفهم أسبابها، ومنع تكرارها، وتغيير الثقافة التي تسمح بانتشارها.
ولهذا فإن المفوضية يجب ألا تكون مجرد مؤسسة لتلقي الشكاوى، وإنما منصة وطنية لتعزيز ثقافة المساواة والمواطنة، ورصد الفجوات، واقتراح الحلول، والتنسيق بين مؤسسات الدولة والمجتمع المدني، ونشر الوعي بالحقوق والواجبات.
عام 2026 ليس عام 2014
خلال السنوات الماضية تغير المجتمع المصري كثيرًا، وتغيرت أدوات التواصل والتأثير، وأصبحت واقعة صغيرة في مكان ما قادرة خلال ساعات على التحول إلى قضية رأي عام واسعة.
من هنا، فإن أدوات مواجهة التمييز يجب أن تتطور أيضًا.
لم يعد كافيًا أن نتعامل مع كل واقعة بصورة منفردة بعد انتشارها، بل نحتاج إلى سياسة وطنية متكاملة تضع الوقاية والتوعية والرصد والمساءلة في إطار مؤسسي واضح.
وهنا تحديدًا تظهر أهمية مفوضية مكافحة التمييز.
جهد مجتمعي يجب أن يتحول إلى خطوة تشريعية
وعلى مدار نحو عامين، عملت «قوة عمل لمفوضية مكافحة التمييز»، وهي مجموعة تضم عددًا من المنظمات النسوية والمبادرات، على التوعية بأهمية إنشاء المفوضية، وعقد الاجتماعات والبرامج التدريبية والنقاشات المتخصصة حول أفضل السبل لبناء هذا الكيان.
وقد أسفر هذا الجهد عن الوصول إلى مقترح قانون لإنشاء مفوضية مكافحة التمييز أصبح جاهزًا للعرض على مجلس النواب، وهي خطوة مهمة ينبغي البناء عليها وعدم تركها حبيسة الأدراج.
والآن، نحن أمام فرصة حقيقية لأن تنتقل القضية من دائرة المطالبات والمناقشات إلى دائرة الفعل التشريعي والمؤسسي، من خلال استقبال عدد من أعضاء مجلس النواب والأحزاب السياسية لهذا المقترح، والاشتباك الجاد معه، ودراسته وتطويره وتقديمه إلى البرلمان.
وهنا لا ينبغي أن تكون القضية محل منافسة سياسية، بل محل تعاون وطني.
نحتاج إلى مفوضية لكل المصريين
مفوضية مكافحة التمييز لا ينبغي أن تُبنى باعتبارها مؤسسة لفئة ضد فئة، ولا مؤسسة للدفاع عن جماعة بعينها في مواجهة المجتمع.
على العكس، قوتها الحقيقية أن تكون مؤسسة لكل المصريين.
مؤسسة تقول بوضوح إن الاختلاف في الدين أو الجنس أو اللون أو الإعاقة أو المستوى الاجتماعي أو الانتماء السياسي أو الجغرافي لا يمنح أحدًا حقًا في إهانة الآخر أو إقصائه أو ممارسة العنف ضده.
ومؤسسة تؤكد أن حماية حق المواطن في المساواة لا تعني تقييد حرية الرأي، وإنما تعني وضع حدود واضحة بين حرية التعبير المشروعة وبين التحريض على الكراهية والتمييز والعنف.
الكرة الآن في ملعب البرلمان والأحزاب
إن إنشاء المفوضية يتطلب إرادة سياسية وتشريعية حقيقية، ويتطلب من الأحزاب والقوى السياسية أن تتعامل مع الملف باعتباره قضية دولة ومجتمع، لا مجرد ملف حقوقي محدود.
وأعتقد أن البرلمان المقبل أمام فرصة مهمة لفتح هذا الملف بصورة جادة، والاستماع إلى مختلف الرؤى والخبرات، ومناقشة مقترح القانون، والوصول إلى صيغة تحقق الهدف الدستوري وتضمن استقلالية المفوضية وفاعليتها وقدرتها على أداء دورها.
فالمادة 53 لم تضع مجرد شعار، وإنما رسمت التزامًا واضحًا على الدولة: اتخاذ التدابير اللازمة للقضاء على كافة أشكال التمييز، وتنظيم إنشاء مفوضية مستقلة لهذا الغرض.
وبعد كل هذه السنوات، لم تعد القضية تحتمل المزيد من الانتظار.
مفوضية مكافحة التمييز ليست رفاهية، وإنشاؤها ليس ترفًا سياسيًا أو مجاملة لأي فئة. إنها استحقاق دستوري، وضرورة مجتمعية، وأداة لحماية المواطنة، وتعزيز سيادة القانون، ومواجهة خطاب الكراهية قبل أن يتحول إلى عنف.
وفي ظل ما نشهده اليوم من سرعة انتشار الوقائع والخطابات المثيرة للانقسام عبر منصات التواصل الاجتماعي، فإن تأجيل إنشاء المفوضية لم يعد يعني فقط تأجيل تنفيذ نص دستوري، وإنما يعني أيضًا تفويت فرصة لبناء آلية وطنية أكثر قدرة على الوقاية من التمييز ومواجهته.
لقد حان الوقت لأن ننتقل من سؤال: متى ستنشأ مفوضية مكافحة التمييز؟
إلى سؤال أكثر جدية:
كيف ننشئ مفوضية قوية ومستقلة وفعالة تليق بمصر، وتحمي حق كل مواطن في المساواة والكرامة؟
هذا هو الاستحقاق الحقيقي للمادة 53.. وهذا هو الوقت المناسب للبدء.


