وزارة البترول بين "البروباجندا" وميزان الغاز.. وأرقام لا تجامل
أعلم يقينًا أنني صرت صداعًا في رأس وزارة البترول، وأعلم أن القائمين عليها يعرفون أننا لم نطلب لأنفسنا هذا الدور، ولم نختر أن يصبح ملف الطاقة بهذا الثقل في كل نقاش اقتصادي تقريبًا، وأعلم أيضًا قدر ما تبذله الوزارة في إدارة جهدها الإعلامي للرد على ما أقوله، خصوصًا بعدما وصفتها بأنها تحولت تدريجيًا إلى وزارة مشتريات وبروباجندا؛ تشتري الغاز لتعويض تراجع الإنتاج، ثم تبذل جهدًا معتبرًا في تسويق الأخبار.
لكن بعيدًا عن كل ذلك، ما يعنيني هنا أبسط كثيرًا: الأرقام.. لأنه كلما وضعنا أرقام القطاع بجوار بعضها، عاد السؤال نفسه: أين الخطة؟
لماذا ملف وزارة البترول؟
وأذكر نفسي والقارئ، لماذا أصر أصلًا على ملف البترول؟، فالطاقة أصبحت واحدة من أهم نقاط الضغط على الاقتصاد المصري، وهذه ليست فقط رؤية وردت في برنامج حزب العدل، ولا نتيجة تحليلات نكررها منذ نحو عامين، بل واقع يعايشه الجميع، كما أن تقرير مؤسسة مورجان ستانلي الأخير، رغم نظرته الإيجابية نسبيًا للاقتصاد المصري، قد وضع عجز الطاقة في قلب معادلة القطاع الخارجي؛ ففي سيناريوهاته للعام المالي 2026/2027 رأى أن العجز يدور بين 18 و23 مليار دولار على خلفية فاتورة اجمالية تتجاوز ال 40 مليار دولار.
كما يأتي تقرير المراجعة السابعة لصندوق النقد ليكشف الوجه الآخر للمشكلة، فهيئة البترول ما زالت مثقلة بالديون، وأعباء الفوائد تضغط عليها، وخطة استدامتها تستهدف خفض الضمانات الحكومية 25% خلال 2026/2027، فيما يطلب الصندوق كشفًا شاملًا لتدفقاتها النقدية وديونها وتكلفة اقتراضها وضماناتها ومتأخراتها والتشابكات المالية بينها وبين الكهرباء والموازنة.
وهنا تظهر مفارقة أخرى خلف البروباجندا، فسداد متأخرات الشركاء الأجانب إنجاز مطلوب، لكنه لا يعني أن فاتورة الأزمة اختفت، فقد تكون المتأخرات قد سُددت، لكن تقرير الصندوق يقول إن هيئة البترول لا تزال مثقلة بالديون والفوائد والضمانات والتشابكات مع الموازنة، أي أن جزءًا من الأزمة جرى تسويته في جانب، بينما ظل ثمنها عبئًا ماليًا ثقيلًا على الدولة وإنتاج الغاز مازال في وضعية سقوط حر.

وهنا تحديدًا يجب أن يعلم المواطن أن هذه ليست معركة فنية حول أرقام الغاز، فمدرسة لن تُبنى، ومستشفى لن يُطوَّر، وتحسنًا حقيقيًا في فاتورة الكهرباء لن يراه، طالما ظل قيد الطاقة مكبلًا للموازنة ومستنزفًا لموارد تعادل نحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي.
وفي النهاية، «الدولة» هنا ليست كيانًا مجردًا؛ هذا العبء يدفعه المواطن، وكل جنيه تبتلعه فاتورة الطاقة أو خدمة ديونها وضماناتها هو جنيه ينافس مدرسة كان يمكن بناؤها، ومستشفى كان يمكن تطويره، وخدمة عامة كان يمكن تحسينها، وحين يُنقل جزء من تكلفة إصلاح الاختلال إلى أسعار الوقود والكهرباء، يدفع المواطن مرة أخرى من دخله مباشرة.بمعنى أبسط، أزمة الطاقة تستنزف الدولار من الخارج، وتضغط على الموازنة من الداخل، ثم تصل فاتورتها في النهاية إلى المواطن.
فاتورة المستقبل "غير المحسوبة"
ومن هنا يصبح السؤال عن غاز 2030 اقتصاديًا قبل أن يكون فنيًا، خاصة وأن وزارة البترول تتحدث عن خطة حتى 2029/2030، وعن حفر قرابة 500 بئر استكشافية، بهدف زيادة الإنتاج وتقليل الاستيراد، وفي الوقت نفسه، يصل المستهدف المعلن لإنتاج الغاز إلى نحو 6.6 مليار قدم مكعبة يوميًا بحلول 2030.
أرقام طموحة.. لكن المشكلة تبدأ عندما نضع هذا الرقم بجوار بقية الأرقام، فأمامنا تدفقات إقليمية كبيرة مرتقبة من حقلي ليفياثان وتمار، والغاز القبرصي من كرونوس وأفروديت، ومشروعات أخرى محتملة في شرق المتوسط، وفوق ذلك بنت الدولة قدرات كبيرة لاستيراد وإعادة تغييز الغاز المسال، ثم جاء الخبر الأخير عن تلقي عروض لإنشاء أول وحدة تغييز برية ثابتة بطاقة مليار قدم مكعبة يوميًا.
وهنا لنا وقفة، فوحدة تغييز برية بطاقة مليار قدم يوميًا ليست سفينة مؤقتة لعبور صيف صعب ثم ترحل، فالحديث هنا عن أصل رأسمالي دائم يعمل لسنوات طويلة، وبالتالي فهو جزء من تصميم منظومة الغاز المصرية في العقد المقبل.
وبمحاولة تركيب ميزان مبسط للغاز في 2030، وفق الافتراضات الحالية للمشروعات والتدفقات التي نناقشها، يمكن أن تصل التدفقات الخارجية عبر خطوط الأنابيب إلى نحو 5.1 مليار قدم مكعبة يوميًا، وإذا أضفنا إليها مليار قدم من وحدة التغييز البرية الثابتة، يصبح لدينا 6.1 مليار قدم يوميًا من مصادر خارج الإنتاج المحلي.
وفي المقابل، إذا افترضنا أن قدرة المنظومة تدور حول 10 مليارات قدم يوميًا، موزعة تقريبًا بين 8 مليارات للاستهلاك المحلي (ذروة الاستهلاك) ومليارين للإسالة والتصدير (قدرة الاسالة القصوى)، يصبح الحساب بسيطًا:
"10 ناقص 6.1 يساوي 3.9 مليار قدم يوميًا"، والمفارقة أن 3.9 مليار قدم هي تقريبًا مستوى إنتاجنا المحلي الحالي.
السقف القسري للإنتاج المحلي
إذن أين ستذهب الـ6.6 مليارات قدم التي نستهدف إنتاجها في 2030؟ إذا كنا نستهدف رفع الإنتاج المحلي إلى هذا المستوى، وفي الوقت نفسه نبني ونلتزم بتدفقات خارجية بهذا الحجم، فأين سيذهب الغاز؟ هل سيرتفع الطلب المحلي بصورة كبيرة؟ هل ستتوسع طاقات الإسالة والتصدير؟ هذه ليست تفاصيل فنية، بل جوهر الخطة، فلا يمكن للوزارة أن تستهدف زيادة الإنتاج المحلي بقوة، وتتوسع في مصادر الاستيراد، وتبني قدرة تغييز ثابتة جديدة، دون أن تضع أمامنا ميزان غاز متكاملًا حتى 2030 يشرح كيف ستتعايش هذه الأرقام. لان اي خطوة ستأخذها لتصريف الزيادة وجب أن تبدأ أمس.

وما أخشاه هو أن نكرر في الغاز، بصورة مختلفة، ما حدث في الكهرباء، إذ توسعنا بسرعة هائلة في قدرات التوليد، وعلى رأسها محطات سيمنس، ثم أصبحت القضية في توفير الوقود وتكلفة تشغيل منظومة ضخمة، واليوم قد نكون بصدد بناء قدرة استيراد والتزامات توريد تتقدم على تصورنا لما سنحتاجه إذا نجحت خطة زيادة الإنتاج المحلي الا إذا كنا نعلم سلفا انها خطة تسويقية.
والمفارقة أكبر مما تبدو، فإذا لم تفلح خطة رفع الإنتاج سنحتاج إلى الاستيراد وسندفع فاتورته، وإذا نجحت ووصلنا إلى 6.6 مليار قدم، فقد نكتشف أننا بنينا في الوقت نفسه هيكلًا من التدفقات الخارجية وقدرات التغييز يحتاج إلى سوق أكبر لاستيعاب الاثنين معًا، وهنا يظهر ما أسميه السقف القسري للإنتاج المحلي – Forced Cap، ليس لأن مصر لا تستطيع إنتاج أكثر، وإنما لأن هيكل الإمدادات والطلب قد يجعل المنظومة لا تحتاج إلى كل الإنتاج المستهدف، خاصة وأن قدرات التصدير محدودة.
كما أنه قد تختلف بعض الافتراضات، وتتأخر مشروعات، وتتغير كميات، لكن هذا تحديدًا سبب مطالبتي الوزارة بنشر نموذجها.. فما أريده هو جدول حتى 2030 يضع أمامنا الإنتاج المحلي، والتناقص الطبيعي للحقول، والإنتاج الجديد، والواردات، والغاز عبر خطوط الأنابيب، والغاز المسال، والطلب المحلي، وطاقة الإسالة والتصدير، لنعرف ببساطة: ما الرقم الذي تستهدفه الدولة فعلًا للإنتاج المحلي؟ فالحديث عن 6.6 مليار قدم لا قيمة له إذا كانت بقية القرارات تجعل ميزان الغاز لا يحتاج إلا إلى نحو 3.9 مليار قدم من الإنتاج المحلي، وإذا كانت لدى الوزارة معادلة أخرى، فلتضعها أمامنا بالأرقام.
لذلك لا نحتاج أخبارًا جيدة متناثرة، بل خطة واحدة متماسكة، وإن لم تستطع الوزارة أن تضع أمامنا ميزان غاز واضحًا حتى 2030 يوفق بين الإنتاج المحلي والتدفقات الإقليمية والتغييز والطلب وطاقة الإسالة، فالمشكلة ليست فيمن ينتقدها.المشكلة ستكون أن لدينا وزارة تدير الأخبار أسرع مما تدير الأرقام التي لا تجامل في هذه الحالة، بينما أزمة الطاقة جاثمة على أنفاس الاقتصاد، تفترس جانبًا متزايدًا من مصادر العملة الصعبة، فيما تنشغل الوزارة وآلتها الإعلامية بمطاردة من يحاول أن ينير لها الطريق.


