قرية صغيرة
في القرية الصغيرة كنت كثيرا ما أعقد المقارنات بينها وبين المدينة، أدون تفاصيل كثيرة أتمناها في قريتي التي أعتز بها، كان عقلي الصغير يرى في المدينة العالم الجديد، شوارع واسعة، مبانٍ شاهقة، محلات كثيرة، مدارس ومستشفيات ومساجد وكنائس، ومكتبات وقصر ثقافة، وسينما ومسرح، وأندية رياضية، وحركة المواطنين متسارعة، لا يتكلمون مع بعضهم البعض، ولا ينتبهون لمن يمر بجوارهم عكس قريتي، الجميع يعرفون بعضهم البعض من كبيرهم لصغيرهم، تراهم متلاحمين متماسكين في السراء والضراء، لكن ليس بها ما ليس في المدينة، كان هذا السؤال يراودني، لماذا تخلت الحكومة عن القرى المصرية، برغم ما تخرجه تلك القرى من قامات فكرية وعلمية للمجتمع الكبير، بل لماذا تنسى تلك القامات أصولهم ويتناسون أهلهم، ويتركونهم يعانون كل المتاعب في الحصول علي علاج، او دواء، وطرق غير ممهدة، ومياه غير نظيفة، وبلهارسيا تنهش في أكباد العباد، وفصول مكدسة، وأحلام معطلة لأبناء تريد أن تحلق في مجالات كثيرة لم تجد من يأخذ بها إلى بر الأمان.
ظل الحلم يعيش داخلي يريد أن يتحرر ليصير واقع حقيقي، ويجد أهالينا من الشهداء الأحياء من يربت على كواهلهم، ويرفع عنهم مظالم العقود السابقة من بنك التسليف وارتفاع أسعار المبيدات وبخس أسعار المحاصيل وأن يحظوا بالعدل، وأن ينالوا حقهم من الحياة الكريمة، ومن الحق في التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية، وأن يحظوا بمثل ما تحظى به المدينة من مقومات لأجل بناء جيل جديد قادر على بناء الوطن، ولديه الوعي، متسلحا بالعلم والمعرفة والقدرة على الإنجاز.
لا شك أن حياة كريمة كانت هدية غالية لكثير من تلك القرى، التي غيرت وجهها العابس إلى وجه بشوش، فتم إقامة بنية تحتية في كثير منها وأدخلت فيها الصرف الصحي، والمياه النظيفة، والكهرباء والغاز الطبيعي ومهدت الطرق، وشيدت مراكز الخدمات التكنولوجية، وطورت الوحدات الصحية، ووفرت كثير من فرص العمل في المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر وكثيرا من الأمور التي عادت بالنفع على قاطنيها.
أتمنى أن تنتهي مرحلتها الأولى وأن نتجنب الحكومة كل أخطائها في المرحلة الأولى، وأن تعلم أن إقامة المباني ليس الهدف بل يجب أن تدب الحياة في كل تلك المباني من مدارس ووحدات صحية ورعاية اجتماعية واقتصادية، وتوفر كل سبل عملها لخدمة أهالينا.
كما يجب أن تعود المحليات لأهمية وجودها في تنفيذ باقي المراحل، ولدورها الحيوي في الرقابة والمتابعة وتنفيذ ما يهم المواطنين ويحل مشاكلهم، وأن تكون هناك أولويات للقرى التي تدرج في المرحلة الثانية، وأن يشارك الأهالي ويكونوا عيون الحكومة التي تراقب كل ما يتم بتلك المبادرة.
فحياة كريمة هو مشروع وطن وليس تفضل حكومي، وتقدم الوطن واستقراره نابع من توفير حياة كريمة للمواطنين.
أشكر السيد الرئيس على تلك المبادرة وأن تكون دائما تحت ناظريه لما ستعود به على كثير من المصريين الذين عانوا عقودا من الإهمال بل والنسيان.


