ماذا اقترف جمعة الغلبان؟!
كان اسمه جمعة، ثلاثينيًّا من منشية ناصر نحيفًا هزيلًا كأن الأنيميا أكلت من جسده أكثر مما أكل الفقر من عمره؛ يعمل «عامل تراحيل»، يأخذ يومية قدرها مئة جنيه إن وجد شغلًا لا وظيفة ثابتة ولا راتب ولا تأمين، ولا معاش ولا أي مظلة تحميه إذا سقط!!
كان يعول أمّه، وزوجته، وثلاثة أطفال أكبرهم في الخامسة وأوسطهم في الثالثة وأصغرهم لم يكمل عامه الأول؛ يعيشون في مكان ضيق أشبه بعشّة يدفع إيجاره ثم يواجه الكهرباء والمياه والطعام ومصاريف الأيام بما تبقى من يوميته.
وكانت طفلته الصغيرة مصابة بالربو وهو يعرف طريق «أبو الريش» جيدًا حيث كشف ودواء ومواصلات ذهابًا وإيابًا، وكلما ضاقت أنفاس الصغيرة ضاقت معها أنفاس أبيها وهو يحسب في صمت ثمن العلاج وثمن الطريق وثمن اليوم الذي قد لا يجد فيه شغلًا.
لم يكن جمعة يعرف القراءة أو الكتابة ولم تكن له شِلّة ولا يشغله حديث السياسة، يصلي الجمعة فقط ويشجع الزمالك فالزمالك بالنسبة إليه وطن صغير ولم يكن له من الدنيا إلا سيجارة وكوب شاي وهاتف قديم متهالك ينتظر رنته دائما.
وكان الهاتف هو باب رزقه الوحيد.
جمعة لا يملك إلا ذراعين يعمل بهما، ذراعاه هما رأس ماله فإن كُسرت إحداهما انتهى عمله وإن توقف عن العمل توقف رزقه فلا تأمين يحميه ولا معاش ينتظره ولا جهة تضمن لأسرته شيئًا إذا عاد ذات يومًا محمولًا بدلًا من أن يعود حاملًا ليوميته.
ثم رن الهاتف.
جاءته شغلانة.
كانت المئة جنيه تنتظره.
ذهب جمعة، كما ذهب آلاف قبله وآلاف بعده باحثًا عن رزقه لكنه في هذه المرة لم يعد.
مات جمعة كفاحًا على مئة جنيه على طريق الدواويس بالإسماعيلية في ذلك الحادث الشهير.
جمعة من وحي الخيال؟ّ! نعم؛ لكن الحقيقة أن جمعة يمثل بلا مبالغة ملايين مثله!! ملايين يستيقظون كل صباح ولا يعرفون إن كان ذلك اليوم سيحمل إليهم رزقًا أم سيعيدهم إلى بيوتهم خاليي الوفاض.
ولولا تدخل الرئيس السيسي ربما ما كانت النتائج الحكومية قد خرجت بالصورة التي شاهدناها عقب حادث الدواويس؛ وزير ينعى ويعزي وحكومة تصرف المكافآت وعمرة تصبح دواءً لكل داء وعقاب شديد لسائق متعوس بينما أمثال هذا السائق موجودون بالآلاف يوميًا إلا أن رصيد سترهم لم ينفد بعد.
لكن القضية أكبر من حادث، وأكبر من سائق، وأكبر من مكافأة تُصرف بعد الموت.
القضية منظومة تحتاج إلى إعادة نظر.
نعم، انهدم بناة مصر.
عمال التراحيل هم من بناة مصر؛ حملوا الطوب والأسمنت والحديد، وشقوا الطرق وأقاموا المباني وتركوا عرقهم في المشروعات التي نراها اليوم هم مواطنون مصريون لهم حقوق لا ينبغي أن تبدأ بعد وفاتهم.
من حق جمعة وأمثاله أن يكون لهم تأمين على حياتهم، ومعاش يحمي أسرهم وعلاج يحفظ كرامتهم وتسعيرة عادلة ليوميتهم وحماية حقيقية من أن يتحول العمل إلى مقامرة بالحياة.
جمعة لم يكن يطلب الكثير.
كان يريد مئة جنيه.
عاد بلا ذراعين وبلا جسد وبلا روح وبلا فرصة أخرى.
أما أطفاله فسيكملون الحياة من دونه.
لذلك؛ يا حكومة لا نريد أن نتذكر جمعة فقط عندما يقع الحادث القادم.
نريد نظرة قبل الحادث.
نظرة إلى هؤلاء الذين يعملون بأجسادهم، ويعيشون من يومهم، ويخافون من الغد.
إنهم بشر.
ومصريون.
وبناة لهذا الوطن.
ويستحقون أبسط ما أمرنا الله تعالى به: الرحمة.


