محمد مختار جمعة: تدبير الله في قصة يوسف يدهش العقول
أكد الدكتور محمد مختار جمعة، وزير الأوقاف السابق، أن قول إخوة يوسف عليه السلام: “تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين” يعكس استنادهم إلى شواهد سلوكهم وأمانتهم، حيث أقاموا بين القوم دون أن يُعرف عنهم فساد أو اعتداء، بل بلغ من حرصهم أنهم كانوا يكفّون دوابهم عن الأكل من زرع غيرهم بغير حق، وردّوا ثمن البضاعة التي وُجدت معهم، مما يدل على صدق دعواهم ونفيهم للسرقة في الماضي والحاضر.
محمد مختار جمعة: تدبير الله في قصة يوسف يدهش العقول
وأوضح خلال تصريحات تليفزيونية، أن سؤال القوم: «فما جزاؤه إن كنتم كاذبين» يكشف عن طلبهم معرفة العقوبة وفق شريعة من يُتَّهم، وهو ما يحمل دلالة على اختلاف القوانين والشرائع، مشيرًا إلى أن عقوبة السرقة في قانون أهل مصر آنذاك كانت تقوم على الجلد والتغريم، بينما في شريعة يعقوب عليه السلام يكون الجزاء استرقاق السارق لصاحب المال.
وأضاف أن إجابة إخوة يوسف: «جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه» جاءت وفق شريعتهم، حيث يَصير من وُجدت المسروقات في متاعه عبدًا لمن سُرقت منه، وهو ما عبّروا عنه بقولهم: «كذلك نجزي الظالمين»، في إقرار منهم بحكم شريعتهم.
وأشار إلى أن يوسف عليه السلام بدأ بتفتيش أوعية إخوته قبل وعاء أخيه، في ترتيب مقصود يبعد الشبهة ويُظهر العدل في الإجراءات، حتى إذا انتهى إلى وعاء أخيه استخرج الصواع منه، في مشهد يبرز دقة التدبير.
وبيّن أن قوله تعالى: «كذلك كدنا ليوسف» يدل على أن ما حدث كان بتدبير وإلهام من الله، حيث لم يكن بإمكان يوسف أن يحتجز أخاه وفق قانون الملك السائد، لولا أن جرى الأمر وفق شريعة إخوته التي تقضي بالاسترقاق، وهو ما مكّنه من إبقاء أخيه عنده.
وأكد أن هذا السياق يكشف عن حكمة بالغة في إدارة الأحداث، ويدل على أن اختلاف الشرائع والقوانين قد يكون سببًا في تحقيق مقاصد إلهية، مشيرًا إلى أن قوله تعالى: «نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم» يرسخ معنى أن العلم مراتب، وأن فوق كل عالم من هو أعلم، في إشارة إلى عظمة العلم الإلهي المحيط بكل شيء.
محمد مختار جمعة يوضح الفروق اللغوية والوظيفية بين «السقاية» و«الصواع» في قصة يوسف
فيما، أكد الدكتور محمد مختار جمعة، وزير الأوقاف السابق، أن قوله تعالى: «فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون» يفتح بابًا لفهم دقيق للفروق اللغوية والوظيفية بين لفظي «السقاية» و«الصواع»، مشيرًا إلى أن التدبر في هذه الألفاظ يكشف عن عمق الدلالة القرآنية.
وأوضح أن «الصواع» من حيث الوظيفة يُستخدم في الكيل، بينما «السقاية» تُستخدم في السقي، لافتًا إلى أن الوعاء الواحد قد تتعدد وظيفته بحسب الاستخدام، فإذا استُخدم للسقي فقط سُمّي «سقاية»، وإذا استُخدم للكيل فقط سُمّي «صواعًا».
وأضاف أن هناك حالة يجتمع فيها الوصفان، فإذا كان الوعاء صالحًا للاستخدامين معًا، فإنه يُطلق عليه وصف يجمع بين الوظيفتين، بما يعكس وجود علاقة عموم وخصوص وجهي بين اللفظين، حيث يلتقيان في بعض الصور ويفترقان في أخرى.
وبيّن أن «الصواع» ينفرد بما يُكال به ولا يُسقى، بينما تنفرد «السقاية» بما يُسقى به ولا يُكال، وهو ما يبرز دقة التعبير القرآني في اختيار الألفاظ بما يتناسب مع السياق والمعنى المقصود.
وأشار إلى أن هذا التمييز اللغوي يعكس ثراء اللغة العربية وقدرتها على التعبير عن الفروق الدقيقة، مؤكدًا أن فهم هذه الدلالات يسهم في تعميق التدبر في النصوص القرآنية واستنباط المعاني منها بشكل أكثر دقة.


