محمد العريان: التوترات الجيوسياسية تدفع المستثمرين نحو الذهب وأصول أخرى
قال محمد العريان، الخبير الاقتصادي العالمي ورئيس كلية كوينز بجامعة كامبريدج سابقًا، إن ما شهدته الأسواق من عودة التعريفات الأمريكية إلى الواجهة، وتقلبات حادة بعوائد سندات الخزانة، بينما قفز الذهب وبيتكوين، وظلت أسعار النفط تحت ضغط المخاطر الجيوسياسية، لا يمثل مجرد أسبوع استثنائي من التقلبات، بل يعكس تراكبًا متزايدًا بين مخاطر السياسة التجارية، وضغوط المالية العامة الأمريكية، والتوترات الجيوسياسية، في وقت لا يزال فيه الاقتصاد الحقيقي أكثر صمودًا مما توحي به الأسواق.
احتياجات الاقتراض المتزايدة
وذكر العريان، في تصريحات له أن هذه القوى لا تتحرك في اتجاه واحد، فالأرباح القوية للشركات تمنح الأسهم دعمًا، بينما تدفع احتياجات الاقتراض المتزايدة عوائد السندات إلى الأعلى، وفي الوقت نفسه، تدفع التوترات الجيوسياسية المستثمرين نحو الذهب وأصول أخرى ينظر إليها باعتبارها مخازن للقيمة.
وواصل: قد لا يكون الرقم مفاجئًا لمن يتابع البيانات المالية الأميركية، لكن سرعة تراكم الدين هي ما يلفت الانتباه، بحسب العريان. فقد تضاعف رصيد الدين خلال عشر سنوات فقط، بينما ارتفعت تكلفة خدمته بنسبة 15% منذ بداية العام.
وأوضح أن مدفوعات الفائدة باتت تستهلك نحو 20% من الإيرادات الضريبية الأمريكية، وهنا تنتقل المشكلة من كونها مجرد رقم ضخم في ميزانية الحكومة إلى قضية تمس مباشرة سوق سندات الخزانة، الذي يشكل حجر الأساس في النظام المالي العالمي.
وتابع: فكلما احتاجت الحكومة إلى مزيد من الاقتراض، زاد الضغط على المستثمرين لاستيعاب إصدارات جديدة، خصوصًا في بيئة لا تبدو فيها أسعار الفائدة منخفضة بما يكفي لتخفيف تكلفة التمويل.
إعادة شراء السندات طويلة الأجل ف
جاء إعلان وزارة الخزانة الأمريكية مضاعفة عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل في محاولة للتأثير في منحنى العائد، وكانت النتيجة الأولية واضحة: تراجعت العوائد طويلة الأجل.
وأشار إلى أن الهدوء لم يدم، طويلا وسرعان ما عادت العوائد إلى الارتفاع، في إشارة إلى أن الأسواق لم ترَ في الخطوة علاجًا للمشكلة الأساسية، بل أقرب إلى ضمادة مؤقتة، ويبدو أن وزارة الخزانة تدرك ذلك أيضًا فقد أشار الوزير بيسنت إلى استعداده لاستخدام أدوات إضافية لاحتواء العوائد، بالتزامن مع التلميح إلى إجراءات لضبط المالية العامة لم تتضح تفاصيلها بعد.
واستكمل: وهنا يكمن الاختبار الحقيقي؛ هل تستطيع الحكومة التأثير في تكلفة الاقتراض من دون أن تضطر إلى مواجهة السبب الأساسي وراء ارتفاعها؟ فالأسواق لا تنظر فقط إلى حجم التدخل، بل إلى مدى استدامته، وما إذا كان مصحوبًا بمسار مالي قادر على تهدئة مخاوف المستثمرين بشأن الدين والعجز.
في الجانب التجاري، جاء انهيار المفاوضات بين واشنطن وأوتاوا وفرض الولايات المتحدة رسومًا جمركية بنسبة 50% على كندا، مع تهديدات كندية بالرد، ليؤكد تحولًا آخر في البيئة الاقتصادية العالمية.
بحسب العريان، لم تعد الحمائية التجارية أداة تُستخدم بصورة استثنائية، وإنما تحولت إلى واقع هيكلي ينبغي للشركات والمستثمرين أن يبنوا حساباتهم عليه، وهذا التحول يحمل تداعيات تتجاوز الرسوم نفسها. فإعادة تشكيل سلاسل الإمداد، وتغير أنماط التجارة، وارتفاع تكاليف الإنتاج، كلها عوامل قد تعيد رسم خريطة النمو والتضخم والاستثمار خلال السنوات المقبلة.
الذهب وبيتكوين يلتقطان إشارة الخطر
في هذه البيئة، لم يكن غريبًا أن تتجه الأموال نحو أصول بديلة، ارتفع الذهب مجددًا فوق 4600 دولار للأونصة، بينما قفز بيتكوين 22% إلى 77،200 دولار خلال الأسبوع، هذه التحركات تعكس، في جانب منها، بحث المستثمرين عن أدوات لا ترتبط بصورة مباشرة بالدين السيادي أو النظام المالي التقليدي، خصوصًا عندما تتزايد المخاوف بشأن السياسة المالية والجيوسياسية.


