بعد رحيل جيل الصحافة الورقية.. من يحمل راية المهنة؟
بعد دعوة نقيب الصحفيين خالد البلشي إلى إعادة تفسير قانون النقابة، وطرح حلول قانونية ومؤسسية تتيح ضم صحفيي المواقع الإلكترونية ومد مظلة الحماية النقابية إلى جميع ممارسي المهنة، بما يحافظ على مستقبل الصحافة، خرج بعض شيوخ المهنة معترضين على ضم صحفيي المواقع إلى نقابة الصحفيين.
وهنا أطرح تساؤلًا من واقع تجربة شاب بدأ مشواره في مهنة الصحافة وهو في العشرين من عمره، داخل جريدة ورقية كبيرة ومحترمة، لكنه لم يكن يتقاضى مقابلًا ماديًا في بداية عمله، وكان مطلوبًا منه أن يستمر في العمل دون أجر لعدة أشهر، وربما سنوات، على أمل أن يحصل في النهاية على راتب لا يتجاوز ربع الحد الأدنى للأجور، مقابل أن يتم تعيينه في الجريدة حتى يستطيع استكمال إجراءات القيد في النقابة.
لكن هل تسمح الظروف المعيشية لشاب في بداية حياته بأن يعمل لأشهر أو سنوات دون مقابل؟ وهل يمكن أن نطالبه بالانتظار حتى يأتي التعيين، بينما لديه احتياجات ومسؤوليات وحياة يجب أن يعيشها؟
هنا كان اللجوء إلى المواقع الصحفية الإلكترونية خيارًا طبيعيًا، خاصة بعدما أصبحت المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي جزءًا أساسيًا من طريقة وصول الأخبار إلى القارئ، وفي هذه المواقع، يحصل الصحفي على راتب قد يكون، في بعض الحالات، أكثر عدلًا مقارنة بما يحصل عليه زملاؤه في بعض الصحف الورقية.
ولعل ما شهدناه مؤخرًا من تحركات وإضرابات لزملاء في بعض الصحف، احتجاجًا على تدني الأجور، يعكس أن أزمة الصحفي ليست مرتبطة فقط بمكان عمله، وإنما بأوضاع مهنية واقتصادية تحتاج إلى حلول حقيقية.
فماذا يفعل صحفيو المواقع الإلكترونية الذين يعملون يوميًا تحت ضغط كبير، ويسعون إلى نقل الخبر للقارئ عبر المواقع ومنصات التواصل الاجتماعي، ثم يجدون أنفسهم خارج مظلة النقابة؟
الأكثر إثارة للتساؤل أن بعض الصحفيين وأساتذة المهنة يعترضون على ضم صحفيي المواقع الإلكترونية، بينما يستخدمون هم أنفسهم منصات التواصل الاجتماعي في التعبير عن آرائهم ورفضهم لهذا التوجه، أليس في ذلك مفارقة؟
إذا كانت منصات التواصل الاجتماعي، التي أصبحت إحدى أهم أدوات الصحافة الحديثة، مؤثرة إلى هذا الحد، فلماذا يصبح استخدامها حجة ضد الاعتراف بالصحفي الذي يعمل في المواقع الإلكترونية؟
الصحافة تتغير، ووسائل نشرها تتغير، والقارئ نفسه تغيرت طريقته في الحصول على المعلومة، لكن ما يجب ألا يتغير هو جوهر المهنة، صحفي يمارس عمله، يبحث عن الحقيقة، وينقل المعلومة إلى الجمهور.
لذلك، ربما يكون السؤال الحقيقي ليس: هل ينضم صحفيو المواقع إلى النقابة؟، وإنما: كيف يمكن أن تظل نقابة الصحفيين مظلة لكل من يمارس المهنة بصورة حقيقية، مع وضع ضوابط واضحة تحفظ قيمة المهنة وتحمي حقوق أعضائها؟
والسؤال الأهم "إذا رحل جيل الصحفيين الورقيين عن المشهد، فمن سيحمل راية المهنة من بعدهم؟".
هل نريد لنقابة الصحفيين أن تظل مرتبطة بشكل الصحافة الذي عرفناه لعقود، أم نريدها أن تواكب تطور المهنة وتحافظ على وجودها ودورها في المستقبل؟
فالصحافة لا تموت عندما تتغير منصاتها، وإنما تموت عندما نغلق أبوابها أمام أجيال جديدة من الصحفيين.
ومن يحمل راية الصحافة غدًا، إذا رفضنا اليوم أن نعترف بصحفيي المستقبل؟


