له معلومات جنائية.. مدرسة جلوبال تضع ملاك المدارس الدولية تحت المراقبة استعدادًا لمحاسبة المخالفين| تقرير
لم تكن عبارة له معلومات جنائية التي وردت في بيان وزارة الداخلية بشأن مالك مدرسة جلوبال باراديم تفصيلًا عابرًا في واقعة تتصدرها اتهامات مالية؛ فالعبارة تفتح بابًا أوسع حول من يملك المدرسة، ومن يمثلها قانونيًا، وكيف تفحص الدولة خلفية هؤلاء قبل الترخيص وبعده، وماذا يحدث عندما تظهر وقائع أو مخالفات مرتبطة بالمالك؟.
ومع توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي، أمس، بفحص جميع الوقائع المماثلة وتشديد الرقابة لمنع تكرارها، ازدادت الأسئلة في هذا الصدد، لتتحول واقعة جلوبال من ملف جنائي منفرد إلى مدخل لفحص منظومة الرقابة على المدارس الخاصة والدولية وملاكها.
جلوبال والبداية من معلومات جنائية
بدأت واقعة جلوبال باراديم، بعد بلاغات من أولياء أمور بشأن اكتشاف تسهيلات ائتمانية وقروض مسجلة بأسمائهم دون علمهم، فيما كشفت التحقيقات، وفق البيانات الرسمية، عن 839 عقد تمويل بقيمة تقارب 321 مليون جنيه.
وبحسب ما أعلنته الجهات المعنية، ارتبطت الواقعة برئيس مجلس إدارة المدرسة، الذي اتُّهم باستخدام بيانات ومستندات منسوبة إلى عدد من أولياء الأمور للحصول على تسهيلات ائتمانية، بينما جرى تجديد حبسه 15 يومًا على ذمة التحقيقات، دون أن يمثل ذلك حكمًا نهائيًا بالإدانة.

لكن اللافت كان ما ورد في بيان وزارة الداخلية من أن مالك المدرسة له معلومات جنائية، وهو ما تساءل عنه كثيرون ما المقصود بهذه العبارة؟ وهل كانت هذه المعلومات معلومة عند الترخيص؟، وهل يخضع مالك المدرسة لإعادة فحص بعد حصوله على الترخيص؟.
ماذا تعني معلومات جنائية قانونًا؟
عبد الله منصور، المحامي المتخصص في المحاكم الاقتصادية وتأسيس الشركات، يرى أن التعامل مع الموقف الجنائي يجب أن يفرق بين الاشتباه والاتهام والإدانة النهائية.
وقال خلال حديثه لـ القاهرة 24، إن مجرد وجود معلومات أو تحريات لا يساوي قانونًا حكمًا بالإدانة، ولا يجوز تحويل العبارة الواردة في بيان أمني إلى وصف للشخص بأنه صاحب سوابق دون مستند قضائي يثبت ذلك.

وأضاف أن الحكم الجنائي البات يختلف جذريًا عن مجرد الاتهام أو الحبس الاحتياطي، وأن أي إجراء إداري يمس الترخيص يجب أن يستند إلى النصوص القانونية المنظمة، مع مراعاة قرينة البراءة وضوابط المشروعية.
هل يُفحص المالك قبل الترخيص؟
بحسب عبد الله منصور، فإن ملف إنشاء وترخيص المدرسة لا يخلو من مستندات مرتبطة بالشخص المسؤول عنها، وفي مقدمتها صحيفة الحالة الجنائية للممثل القانوني، إلى جانب المستندات والبيانات المطلوبة وفق القواعد المنظمة.
لكن المحامي يلفت إلى نقطة أكثر تعقيدًا، أن المالك ليس بالضرورة هو الممثل القانوني، والممثل القانوني ليس بالضرورة هو المستفيد الحقيقي من الشركة المالكة للمدرسة.
وشرح أن المالك قد يكون شخصًا طبيعيًا أو اعتباريًا، بينما يكون الممثل القانوني هو الشخص المخول بالتوقيع والتعامل رسميًا مع الجهات، أما المستفيد الحقيقي فهو الشخص الطبيعي الذي يملك أو يسيطر بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الكيان وتؤول إليه في النهاية المنفعة الاقتصادية.

وحول هذه الإشكالية، وإلى أي مدى يصل الفحص الحكومي إلى الأشخاص الذين يقفون خلف هيكل الملكية "المالك، الممثل القانوني، المستفيد الحقيقي"، وهذه التفرقة ليست شكلية، بحسب عبد الله منصور، لأن فحص الاسم الموجود على الورق لا يعني بالضرورة كشف الشخص الذي يملك السيطرة الفعلية.
وأكد أن منظومة الشركات والمستفيد الحقيقي تتيح للجهات المختصة التعرف إلى الشخص الطبيعي الذي يقف في نهاية هيكل الملكية أو السيطرة، بما يحول دون استخدام الشركات أو الواجهات للالتفاف على القيود القانونية.
ماذا لو ظهرت المخالفة بعد الترخيص؟
تبرز حدود سلطة وزارة التربية والتعليم، لو ظهرت المخالفة بعد ذلك، حيث يقول عبد الله منصور إن الوزارة تملك في مرحلة الترخيص، رفض الطلب إذا توافر مانع قانوني مستند إلى القواعد المنظمة، بينما بعد الترخيص تختلف الإجراءات بحسب طبيعة المخالفة ومرحلتها وما إذا كان هناك حكم نهائي أو تحايل في هيكل الملكية.
وأضاف أن الوصول إلى سحب الترخيص ليس نتيجة تلقائية لمجرد اتهام جنائي، وأن الإجراءات الإدارية يجب أن تراعي طبيعة الواقعة والنص القانوني المنطبق عليها، مع إمكانية اتخاذ إجراءات تصحيحية أو إدارية لحماية العملية التعليمية.
جلوبال ليست الواقعة الوحيدة
واقعة جلوبال لا تأتي من فراغ؛ فقد رصد التقرير وقائع أخرى ظهر فيها ملاك أو شركاء في ملكية مدارس كمتهمين في قضايا جنائية، من بينها إحالة شريك في ملكية مدرسة هابي لاند إلى المحاكمة في اتهامات تتعلق بهتك عرض أطفال، إلى جانب واقعة أخرى تخص أحد ملاك مدرسة خاصة أُحيل إلى محكمة الجنايات في اتهامات مماثلة.

كما ظهر مالك مدرسة دولية في الشيخ زايد طرفًا في بلاغ تضمن اتهامات بالتهديد والتعدي من أحد أولياء الأمور، وهذه الوقائع اتهامات أو قضايا منظورة، لم يصدر بها أحكامًا نهائية، لذا يفرق القانوني بين جرائم الملاك عن الجرائم التي تقع داخل المدرسة ويرتكبها عاملون أو أفراد آخرون؛ فلا يجوز تحميل المالك جريمة لم تثبت بحقه لمجرد وقوعها داخل منشأته.
هل التعليم المسؤولة وحدها؟
أشار المحامي عبد الله منصور إلى أن ملف المدرسة لا يقع بالكامل تحت سلطة وزارة التعليم، وإنما تتداخل فيه جهات متعددة بحسب طبيعة كل جانب: التعليم في الترخيص والإشراف، ووزارة الداخلية في صحيفة الحالة الجنائية والوقائع الجنائية، وهيئة الاستثمار في الكيان والشركة، وجهاز تنمية التجارة الداخلية في بيانات الشركات والمستفيد الحقيقي، والجهات الهندسية في المبنى، والرقابة المالية في الأنشطة المالية الخاضعة لاختصاصها، بالتالي، فإن فحص الشخص، وفحص الشركة، وفحص المبنى، وفحص النشاط المالي ليست عملية واحدة تقوم بها جهة واحدة.
التمويل.. خيط في القضية وليس عنوانها
أما واقعة التمويلات نفسها، يوضح خبير في التمويل وحماية المستهلك، رفض ذكر اسمه، أن دخول المدارس في منظومة التمويل الاستهلاكي ليس أمرًا غير معتاد؛ فالمدرسة يمكن أن تكون مقدم خدمة، وولي الأمر عميلًا، وشركة التمويل هي الجهة المانحة للتسهيل.
لكن جوهر الحماية، بحسب الخبير، هو أن يكون الشخص الذي نشأ باسمه التمويل هو نفسه من طلبه ووافق عليه، وهنا يشرح الخبير أن العملية يفترض أن تمر عبر التحقق من الهوية والبيانات، والحصول على الموافقة وإبرام العقد، وإجراء التقييم الائتماني، قبل صرف التمويل، مؤكدًا أن مجرد امتلاك المدرسة أو الوسيط لبيانات ولي الأمر أو صورة بطاقة الرقم القومي لا يمنح الحق في إنشاء التزام ائتماني باسمه.
وأوضح أن مسؤولية شركة التمويل لا تسقط لمجرد وجود وسيط، إذ تظل الشركة مطالبة باتباع إجراءاتها الرقابية، بينما تخضع شركات التمويل الاستهلاكي لرقابة الهيئة العامة للرقابة المالية.

الإشراف المالي والإداري.. ماذا يعني؟
في هذه النقطة، كشف الخبير التربوي الدكتور تامر شوقي، عن أن وضع المدرسة تحت الإشراف المالي والإداري ليس مجرد تفتيش عادي، وإنما تدخل إداري مباشر.
وأضاف أنه بحسب المادة 61 من قانون التعليم رقم 139 لسنة 1981، يجوز وضع المدرسة الخاصة تحت الإشراف المالي والإداري عند ثبوت مخالفتها للالتزامات القانونية، وتتولى المديرية التعليمية إدارة المدرسة حتى إزالة المخالفة.
وأشار إلى أن ذلك يعني عمليًا انتقال جانب من سلطة الإدارة والمتابعة إلى الجهة التعليمية المختصة، بما يشمل متابعة الموارد والمصروفات وأوجه الإنفاق والجوانب الإدارية، وفق نطاق الإشراف.
وأكد أن الإجراء لا يعني تلقائيًا إغلاق المدرسة أو نزع ملكيتها، وإنما يستهدف ضمان استمرار العملية التعليمية وحماية الطلاب وأولياء الأمور إلى حين معالجة أسباب التدخل.
متابعة مستمرة للمدارس المخالفة
وفي المقابل، أكد مصدر مسؤول بوزارة التربية والتعليم والتعليم الفني، أن الوزارة تتابع بصورة مستمرة ملفات المدارس الخاصة والدولية، من خلال مراجعة أوضاعها القانونية والإدارية والمالية والتأكد من مدى التزامها بالضوابط والقرارات المنظمة.

وأضاف أن هناك توجيهات بالتعامل بحسم مع أي مخالفات أو وقائع يثبت ارتكابها، بما يحفظ حقوق الطلاب وأولياء الأمور وانتظام العملية التعليمية، مشيرًا إلى أن الفترة الأخيرة شهدت وضع عدد من المدارس المخالفة تحت الإشراف المالي والإداري للوزارة لحين الانتهاء من فحص أوضاعها واتخاذ القرارات المناسبة.
توجيهات الرئيس توسع دائرة الفحص
ولا تقف المسألة عند مدرسة بعينها؛ إذ وجّه الرئيس عبد الفتاح السيسي بفحص جميع الوقائع المماثلة وتشديد الرقابة لمنع تكرارها مستقبلًا، في أعقاب واقعة جلوبال.
وتمنح هذه التوجيهات الملف بعدًا أوسع: هل نحن أمام مراجعة للوقائع المالية المشابهة فقط، أم أمام فرصة لإعادة النظر في منظومة فحص ملاك المدارس الخاصة والدولية ذاتها؟، وهو ما أكدت المصادر، بوزارة التربية والتعليم على أنه جاري وضع آلية كاملة للتعامل مع تلك التوجيهات.


